ڤلاديمير نابوكوڤ ومواصفات القارئ الجيِّد

إن القارئَ الذي يستحق أن يوصف بأنه قارئ جيِّد، وجادٌ، وأن يوسمَ بأنه نَشِطٌ هو ذلكم القارئُ الذي يعيد القراءة.

«إنَّ كل محاولةٍ تُبذل لصقل الموهبة الأدبية لا بد من أن تتخذ من القراءة الرَّصينة رائدًا لها»، هكذا توجَّه هـوارد فليبس لافكرافت بالنصح إلى ذوي الطُّموحِ من الكُتَّاب.

أما وقد أيقنَّا أنَّ القراءة مهارةٌ تُكتسب، وتقنيةٌ تقبلُ التحسين، وأنَّ عدم القراءة هو خيارٌ فكريٌ تضارعُ أهميَّتُه أهميةَ القراءة نفسها، فهذا يؤدي بنا إلى أن القراءة تعدو كونها مجرد ذلك الفعل المتوحِّد الذي يروم استيعابَ النَّص، إذ تتفاوتُ درجاتها على حسب الإتقان. لكن ما الذي يعنيه تحديدًا أن تكون قارئًا جيِّدًا؟

كانت لڤلاديمير نابوكوڤ (22 إبريل 1899-2 يوليو 1977) رؤاه الرائعة العنيدة عن الحياة والأدب.

وقد تبيَّن أنه لم يبرح عناده هذا إزاء المعايير التي وضعها محددًا بها ما يصوغ قارئًا جيِّدًا. في محاضراته المجمَّعة عن الأدب (المكتبة العامة)، يعرض نابوكوڤ التمرين التالي الذي سبق له أن طرحه على طلَّاب «كليَّةٍ إقليميَّةٍ بعيدة» في أثناء جولةٍ ألقى فيها محاضراتٍ، وفيه يقول:

اختر أربع إجاباتٍ لسؤال: «أيُّ أمرٍ ينبغي للقارئ كي يصبح قارئًا جيِّدًا:

1- ينبغي للقارئ أن يكون عضوًّا في نادٍ للقراءة.

2- على القارئ/القارئة أن يتماهى/تتماهى مع البطل/البطلة.

3- لا بد للقارئ أن يركِّز انتباهه على الجانب الاجتماعي/الاقتصادي.

4- ينبغي للقارئ أن يؤثر القصة التي تجمع بين الحدث والحوار على تلك التي تخلو منهما.

5- ينبغي للقارئ أن يرى الكتاب وقد جُسد على شاشة السينما.

6- ينبغي للقارئ أن يكون مشروع مؤلف.

7- القارئ هو من له مخيِّلة.

8- القارئ صاحبُ ذاكرة.

9- القارئ هو من يملك قاموسًا.

10- ينبغي للقارئ أن يحظى بشيءٍ من الذائقة الفنيَّة.

مالت غالبية الطلاب إلى الإجابات التي تراعي التماهي العاطفي، والحدث، والجانب الاقتصادي- الاجتماعي أو الجانب التاريخي. ولا شك –والصوابُ ما خمَّنت- أن القارئ الجيَّد هو القارئ الذي له مخيلة، وذاكرة، ويملك قاموسًا، ويحظى بشيءٍ من الذائقة الفنيَّة، تلك الذائقة التي أسعى إلى تطويرها في نفسي وفي الآخرين ما سنحت الفرصة.

ومضى يتفكَّر في ما للوقت من قيمةٍ في القراءة، سائقًا الحجج على أهمية إعادة القراءة:«وتبعًا لهذا، فإنني أستخدم كلمة “القارئ” استخدامًا فضفاضًا. وإنَّه لمن الغريب أن ليس بإمكان المرء أن يقرأ كتابًا، وإنما أن يعيد قراءته!

ما القارئ الذي ننعته بالجيِّد، والجاد، والنشِط، والمبدع إلا ذلكم الذي يعيد القراءة. ولهذا أسبابه التي أخبرك بها. حين نقرأ كتابًا للمرة الأولى فإنَّ جهدًا جهيدًا نبذله في تلك العملية، محرِّكين أعيننا من اليسار إلى اليمين، سطرًا بعد سطر، وصفحةً تلو صفحة، تلك العملية البدنية المعقَّدة التي بها نتعامل مع الكتاب، عملية التعلُّم هذه التي نتوسل فيها الفضاء والزمن كي نتوصَّل إلى فحوى الكتاب- هي ما يحول بيننا وبين التقييم الفني. حين ننظر إلى لوحةٍ فإننا لا نحرك أعيننا على نحوٍ معيَّن -كما هي الحال عند قراءة كتاب- حتى لو كانت اللوحة تضم عناصر عميقة وواعدة.

إن الزمن لا يتدخَّل في أول تواصلٍ لنا مع اللوحة. أما إذا كنا نقرأ كتابًا، فنحن في حاجةٍ إلى الزمن كي تألفه نفوسنا. ليس في أبداننا عضوٌ (كما هي الحال مع العين إزاء اللوحة) بإمكانه أن يلتقط الصورة جملةً، ثم يشرع في الاستمتاع بها تفصيلًا.

لكننا بعد القراءة الثانية، أو الثالثة، أو الرابعة، فإننا نعامل الكتابَ معاملةَ اللوحة على نحوٍ ما. وعلى ذلك، فلا ينبغي أن نخلط بين العين، تلك التحفة الهائلة التي أنجزها التطور، وبين العقل وهو إنجازٌ يفوقها ويفوق كل إنجاز. إن الكتاب أيًّا كانت ماهيته –كتابًا قصصيًّا أو كتابًا علميًّا (والحدُّ الفاصل بينهما ليس جليًا كما شاع الاعتقاد)- هو كتاب خيالٍ يخاطب العقل أوَّل ما يخاطب.

أما العقل، والدماغ، وأعلى العمود الفقري هي، أو ينبغي أن تكون، الأداة الوحيدة التي نعتمد عليها لدى قراءتنا كتابًا.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك...