فَلَو قَد ذُقتَ مِن حَلواهُ طَعمًا .. لَآثَرتَ التَعَلُّمَ وَاِجتَهَدتا
للعلم فضل لا يقاربه فضل، ومنزلة لا تدانيها منزلة، نِعم ما تُنفق فيه الأعمار، ونِعم ما تُبذل فيه الأموال؛ فثمرة العلم أجرها موفور في الدنيا والآخرة بإذن الله، ولقد حثنا الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم على طلب العلم، ورغب فيه الوحي بالتأكيد على سمو مكانة العلم والعلماء، وذكر الفضائل والثمرات التي ينتفع منها طالب العلم في الدنيا والآخرة، وكيف لا؟ فالإيمان لا يتأتى إلا بالعلم، والعلم خير ما يَعرفُ به الإنسان رب العالمين، وبالعلم تحسن العبادات، وتتزكى القلوب، وتجمل الأخلاق، وتبتغى المكارم.
ففي القرآن الكريم:
- قول الله تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)
العلم يرفع الإنسان درجات في الدنيا والآخرة، ويربو به الإيمان ويزدان، وكما قيل “من أراد الدنيا فعليه بالعلم، ومن أراد الآخرة فعلية بالعلم”؛ فأي ثمرة أحسنُ من رفعة الدرجات عند الله عزوجل؟
وقوله تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)
أولوا العلم ذكرهم الله مع الملائكة في أنهم يشهدون وحدانية الله؛ فثمرة العلم معرفة الله سبحانه وتعالى، وتوحيده، وتحقيق الإخلاص، فمن رزقه الله الإخلاص فهم غاية الدنيا، وهانت في عينيه بعظمة الله وقدرته.
- وقال سبحانه: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)
من ثمار العلم أن أهله يبلغون به منازل الكرام العوالي؛ فقد أمر الله الناس بالرجوع إلى أهل العلم في المهمات، وسؤالهم عند الجهل. وسماهم سبحانه أهل الذكر، ولا يخفى علينا أن أهل الجهل والضلال في ذم واحتقار من رب العالمين، يصحبهم التخبط والعمى والتكبر بغير علم، وسيماهم السفه والسخرية، في غطيط من اللهو والعبث والحماقة.
وإذا لم يهتدوا ولم يعقلوا؛ فقد توعدهم الله بعذاب أليم، وشتان ما بين الحكمة والسفه، وشتان ما بين الهدى والضلال.
- وقوله: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ)
من ثمرات العلم التي أعد منها ولا أعددها فهم مراد الله سبحانه من الأمثال والآيات، وما يدركها ويؤتى فهمها إلا العالمون؛ ومن منافع العلم أن تعرف مراد الله من أحوال الدنيا وتقلبات الزمان، فتطمئن نفسك بالرضا والإيمان، والتسليم لقدره الله ورحمته التي وسعت كل شيء.
- وقال تبارك وتعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ)
الله سبحانه وتعالى لا يساوي العالم بالجاهل، وقد خص التذكر لأهل الألباب، الذين يعملون العقل ويتدبرون في صنع الله الذي أتقن كل شيء.
لا يعرضون عن الآيات وعن المنافع بل يبذلون أنفسهم في ابتغاء الحكمة، يأخذون الكتاب بقوة كما أمر الله نبيه يحيى في العلم” يا يحيى خذ الكتاب بقوة” ومن ثمرات العلم أن الله يزكى أهله، هم المجاهدون في إصلاح أنفسهم؛ فكلما زاد العلم زاد العمل وارتقت النفس وسمت إلى منازل من التقى والخشية يحبها الله جل وعلا، أولئك الذين يهديهم الله سبل السلام.
- قال الله سبحانه: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)
قصرهم الله تبارك وتعالى بخشيته، إنما العالم من يعظم الله عز وجل، لما وهبه الله من علم وتقوى وحكمة وعقل راجح.
- وقوله: (وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا)
لم يأمر الله نبيه أن يدعو بالزيادة من شيء إلا من العلم، لم يقل له قل رب زدني مالًا، أو سلطانًا، أو قل رب زدني من البنين أو الخيل، العلم زيادة في كل خير، وسبب كل فضل في الدنيا والأخرة.
وفي السنة النبوية:
- قول الرسول صلى الله عليه وسلم: “نضَّرَ اللَّهُ امرأً سمِعَ منَّا حديثًا فحفِظَهُ حتَّى يبلِّغَهُ غيرَهُ فرُبَّ حاملِ فقهٍ ليسَ بفَقيهٍ”
دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن حمل عنه؛ فبلغ بأن ينضر الله وجهه، فأي ثمرة أجمل من التماس الجمال الظاهر والباطن، أهل العلم نضرة وجوههم لا سيما علماء الحديث الشريف، فمن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله؟
- وقوله: “لا حسَدَ إلَّا في اثنتَيْنِ : رجُلٍ آتاه اللهُ مالًا فسلَّطه على هلَكتِه في الحقِّ ورجُلٍ آتاه اللهُ حِكمةً فهو يقضي بها ويُعلِّمُها.”
العالم يُغبط على علمه، فما من شيء في الدنيا يحق لصاحبه أن يزهو به كالعلم والحكمة، وقد روي عن رسول الله قوله” الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا عالم ومتعلم وذكر الله وما ولاه.”
- وقال النبي صلى الله عليه: “من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة، كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا”
من ثمرات العلم هي الأجر والمثوبة التي لا تنقطع عن صاحبها، حسنات جارية لصاحبها في كل أحواله.
- وقوله: “إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له.“
ثمرة العلم أنه كما قيل هو “الولد الخالد”، عمل لا ينقطع إذا انقطع دعاء الولد الصالح، وإذا انقطعت الصدقة، العلم أجره موصول وفضله لا يفنى.
- قال رسول الله صلوات الله وسلامه عليه: “فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم، وإن الله عز وجل وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير.”
من ثمرات العلم أن الله فضل العالم على الناس؛ حتى جعل الاستغفار له من أهل السماوات والأرض ومخلوقاته جميعها مسخرة بالاستغفار له، حسنات لا تنقطع واستغفار موصول باستغفار، وأجر يتبعه أجر، ومن ثمرات العلم أن العالم عامل بما يحب الله؛ فتجرى له بحور الحسنات، مأجور حتى على النية، وعلى الاحتساب وعلى المذاكرة والمدارسة والمناقشة، مأجور على ثني الركب في مجالس العلم، وعلى الصبر في اتباع العلماء.
- وقوله: “من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين”
وثمرة مخصوصة لأهل العلم والفقه في دين الله أن الله يريد لهم وبهم الخير سبحانه وتعالى.
- وقال رسول الله صلى الله عليه: “من سلك طريقًا يبتغي فيه علما سلك الله به طريقا إلى الجنة وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضاء لطالب العلم وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ وافر.”
_ وهذا الحديث يبين فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمرات العلم منها:
- أن طريق العلم يسهل ويذلل طريق الجنة، وأن الله تعهد سبحانه بتقريب الجنة لأهل العلم..
- صاحب العلم تحيط به الملائكة وتضع أجنحتها رضاء بما يصنع، سخر الله مخلوقاته تستغفر لأهل العلم.
- وفيه تفضيل العالم على العابد، ومن ثمراته أن العالم الوريث للأنبياء الذين كانوا أهل علم وحكمة، ورثوا العلم.
- قول الصادق صلوات الله وسلامه عليه وفرة حظ من يؤتى العلم، وهو الذي ينطق وحيًا.
- العالم يصطفيه الله من عباده وخلقه اصطفاء لوريث الأنبياء، فأي سعد وغبطة لرجل يصطفيه الله ويختاره ويصنعه على عينه؟
وقوله: “احرص على ما نفعك”، المسلم مسؤول عن شبابه فيما أفناه وعن عمره فيما أبلاه وعن ماله فيما أنفقه وقد أوصى النبي بأن تحرص على ما ينفع وكان من دعائه صلى الله عليه اللهم إني أسألك علمًا نافعًا ورزقًا طيبًا وعملًا متقبلا.
فأي ثمرة خير من علم ينفعك الله به، وينفع بك!
العلم أشرف مطلوب وطالبه ** لله أشرف من يمشي على قدم..


