مع بزوغ فجر الصين ودول جنوبِ شرق آسيا كقوىٍ اقتصادية وصناعية صاعدة في القرن العشرين، تصاعدت في الحقل الفكري العربي دعوات لـ“الاتجاه شرقًا” كخيار استراتيجي للخروج من أسر المركزية الأوروبية. في طليعة هذه الدعوات كان صوت المفكر المصري أنور عبد الملك (١٩٢٤- ٢٠١٢)، الذي رأى في الانفتاح على الدائرة الحضارية الشرقية الكبرى مشروعًا متكاملًا للتحرر: استكمال التحرر السياسي بتحررٍ اقتصاديٍ يلازمه تحررٌ ثقافي وهووي، قائم على تبادل معرفي وتجاري يَفوق التضامن الرمزي.
قرأ عبد الملك مأزق العالم العربي في سياق تاريخي طويل: سقوط السلطنة العثمانية، ثم الامتداد الاستعماري الحديث الذي رسخ “الدائرة الاستعمارية الغربية”؛ ومن ثم تحولات منتصف القرن العشرين التي أعادت رسم مراكز القوة العالمية ونقلت مفاتيح المبادرة التاريخية ـ من انتصار الثورة الصينية (١٩٤٩) إلى مفاصل صادمة مثل حرب أكتوبر (١٩٧٣) واستخدام سلاح النفط ـ كلها محطات تؤكد أن ميزان المبادرة يتحرك بعيدًا عن حصره التقليدي في اليد الغربية. لذلك دعا إلى دراسة خصوصيات كل قطر وفحص ميزان القوى المتغير، ثم إلى الالتحاق بما أسماه دوائر جيو-ثقافية: من منظمة شنغهاي للتعاون وآسيان إلى تكتلاتٍ عالمية أخرى في أمريكا اللاتينية، كوسائلٍ لبناء ثقوبٍ في جدار الهيمنة وفضاءات تفاوضٍ حقيقية.
على مستوى النظرية الحضارية، طرح عبد الملك رؤيةً طموحة للتمازج بين الإطارين الصيني والإسلامي: حضارةٌ شرقيةٌ متكاملة تستطيع أن تُعيد إنتاج مرجعيات فكرية تتجاوز اختزالات الحداثة الغربية، وتحقق ما سماه “عالميات القوميات” عبر تلاقح حضاري لا استبدال قسري للهويات. كان إعجابه بالصين ذا بُعدٍ مزدوج: تقديرٌ لِمقاومتها المشروع الإمبريالي ولقدرتها على صون الإطار المعرفي والإيماني، مع الإقرار بأنها ليست طامعةً في استبداد دموي بقدر ما هي بنّاءة في ترسيخ مكانتها العالمية.
وعلى الضفة الأخرى، برزت في الأدبيات الصينية المعاصرة دعوة موازية تقوم على مفهوم “الثقافة الشرقية”، كإطار جامع بين الصين والعالم العربي، وخطوة نحو حلفٍ شرقي–شرقي يعيد وصل ما انقطع من أواصر النهضة الشرقية. ينطلق هذا التصور من قراءة طويلة المدى لتاريخ الحضارات، ترى أن العالم قام منذ القدم على أربعة أنظمة ثقافية كبرى: الصينية، والهندية، والإسلامية، واليونانية–الرومانية، ثلاثة منها شرقية بطبيعتها، ما يجعل الحوض الشرقي حاملًا لمعظم الثقل الحضاري للبشرية.
هذه الأنظمة الحضارية – بحكم طبيعتها – ليست كيانات جامدة، بل تفاعلية واستباقية وفاعلة، تتصادم أحيانًا وتتبادل وتتداخل أحيانًا أخرى. وقد شهد التاريخ فتراتٍ كان فيها الشرق، بثقافاته الصينية والهندية والإسلامية، يتقدّم على الغرب، كما في العصور الوسطى، حين شكّل المجال العربي–الإسلامي جسرًا حضاريًا بين الشرق الأقصى وأوروبا. عبر طرق التجارة البرية والبحرية، كانت التيارات الثقافية الصينية والهندية تصل إلى العرب، فيعيدون صياغتها ومواءمتها، ثم ينقلونها إلى الغرب، محتفظين بثراء روحها الشرقية. بهذا المعنى، غدت الثقافة العربية مجمعًا لملتقى الثقافات الشرقية، وبوابةً عبورها إلى الضفة الغربية للمتوسط.
ومع انفتاح الطريق الملاحي الجديد، اتصلت أوروبا مباشرة بالشرق الأقصى، فانطلقت موجة تتبع ودراسة وانبهار بالثقافة الشرقية، استوعب الغرب خلالها الكثير من روحها وفلسفتها، يصوغ منها ثقافته الحديثة، التي خرجت عن صيغتها الكلاسيكية لتصبح مزيجًا من إرثها اليوناني–الروماني وروافد شرقية متعددة.
يطرح هذا السياق إشكالية محورية: هل نحن إزاء تأسيس لشراكة استراتيجية حقيقية، أم مجرد استمرار لوظائف الوساطة والإمداد التقليدية دور «ممر» و«مورد»؟ والإجابة تستدعي استيعابًا للكيفية التي يُدرك بها الصينيون الآخر.
وهذا الاستيعاب يقتضي العودة إلى البنية الفكرية للصين نفسها، من خلال بُعدين أساسيين:
- سمات الشخصية الصينية وأيديولوجياتها النفسية.
- والتراث الفكري والاجتماعي الذي صاغ نسق الدولة والحكم.. ذلك أن الحضارة الصينية هي الأقدم تقريبًا بلا انقطاع، وفهم تاريخها وكيفية تشكلها هو مفتاح فهم سلوكها الراهن تجاه الآخر.
الجذور الفكرية للعقلية الصينية: من الكونفوشيوسية إلى عقل الدولة
إن مقاربة إدراك الصين للآخر تبدأ من الداخل؛ من السمات النفسية والثقافية التي شكلت الشخصية الصينية عبر قرون. فالشخصية الصينية تنزع إلى الانغلاق على الذات والرضا بالاكتفاء الداخلي، وتتميز بالتواضع كقيمة اجتماعية راسخة، والنزعة الفلسفية العميقة التي ينصب اهتمامها على الداخل أكثر من المواجهة الخارجية. هذه السمات أنتجت عقلًا جمعيًا يميل إلى الانسجام وتجنّب الصدام، ويُعلي من قيمة الاستمرارية على حساب المغامرة.
وفي صميم هذا البناء النفسي والفكري تقف الأسرة بوصفها لبَّ الأيديولوجية الصينية؛ هذه النواة التي تؤسِّس معانى التكامل والانسجام داخل الجماعة، وتُرسّخ منطق التراتبية حيث يقود الكبار ويطيع الصغار، وفي الوقت ذاته تُعطي الآخر ــ مهما تباين ــ موقعًا داخل النسق، قابلًا للاحتواء ما دام منسجمًا. هذا النسق الأسري لم يبقَ شأنًا داخليًا، بل تحول إلى مرجعية كبرى انتقلت من المجتمع إلى الدولة، ومن ثم إلى رؤية الصين للعالم.
على المستوى الفكري والسياسي، لعبت الكونفوشيوسية دورًا مؤسِسًا في ترسيخ هذه النزعة؛ إذ صاغت رؤية ترتكز على الانسجام والتراتبية بديلًا عن الصراع والثنائية القيمية التي ميّزت الفلسفات الغربية. فالآخر ليس عدوًا بالضرورة، بل يُفهم غالبًا بوصفه ـ إن جاز التعبيرـ”فاعلًا غير منسجم” قابلًا للإدماج أو التهميش، بينما يظل العداء مسألة وظيفية لا قيمية. ومن هنا تبرز ما يُمكن تسميته بـ آلية تصنيف الأطراف الخارجية وفق طبقات: القريب، المفيد، المهدِّد.
المبادئ السياسية: صياغة الخطاب الدبلوماسي
تكرّس هذا المنطق لاحقًا في السياسة الحديثة عبر صياغة المبادئ الخمسة للتعايش السلمي التي أعلنها رئيس الوزراء الصيني تشو إن لاي في عهد ماو تسي دونغ عام ١٩٥٤، وصارت حجر الأساس لعلاقات الصين الدولية حتى اللحظة الراهنة، وهي: الاحترام المتبادل للسيادة وسلامة الأراضي، عدم الاعتداء المتبادل، عدم التدخل في الشؤون الداخلية للجار، المساواة والمنفعة المتبادلة، والتعايش السلمي.
ومع تطور الخطاب الرسمي المعاصر، عمّمت الصين هذه المبادئ تحت شعار “القيم المشتركة للبشرية”: السلام والتنمية والإنصاف والديمقراطية والحرية. ويُضاف إليها التمسك بالعدالة والمنفعة، وحماية السيادة، ومعارضة الهيمنة، والسعي إلى “مجتمع مصير مشترك للبشرية” الذي يُعد امتدادًا لجذور مبادئ الانسجام القديمة، ويقوم على السلم والأمن والازدهار والانفتاح والتسامح.
هكذا يتضح أن البنية النفسية والفلسفية من جهة، والمبادئ السياسية المؤطرة من جهة أخرى، تشكلان معًا ما يمكن تسميته بـ”عقل الدولة الصينية”. هذا العقل الذي يتجنب الصراع المباشر ويُعلي من قيمة المنفعة والمصلحة.
ومن هنا تنبثق أسئلة حول موقع العرب والغرب في هذه الخريطة التصنيفية.
الغرب في الوعي الصيني — من “قرن الإذلال” إلى منافس المصالح
الذاكرة التاريخية: قرن الإذلال
شكل ما يُعرف في الأدبيات الصينية بـ “قرن الإذلال” (١٨٤٠- ١٩٤٩) مرحلةً فارقة في تشكيل الوعي الصيني تجاه الغرب. فقد تعرضت الصين خلال هذه الفترة لسلسلة من التدخلات العسكرية والسياسية، بدأت بحربي الأفيون (١٨٤٠- ١٨٤٢ و ١٨٥٦- ١٨٦٠) التي فرضت عليها معاهدات مجحفة مثل معاهدة نانجينغ، وانتهت بتقاسم القوى الغربية والأجنبية لمناطق نفوذ على أراضيها والتنازل عن هونغ كونغ. هذا الإرث الاستعماري رسخ جرحًا عميقًا في الذاكرة الجمعية الصينية، وأنتج سردية قومية محورها استعادة المكانة المفقودة، وهي سردية ما تزال تؤطر التصورات الصينية حتى اليوم.
في إطار النظرية: الصراع الوظيفي وتمييز الأدوار:
يمكن قراءة الوعي الصيني ضمن نظرية الصراع الوظيفي لعالم الاجتماع لويس كوزر Lewis A. Coser . تنبني هذه النظرية على أن الصراع ليس مجرد قوة هدم سلبية، بل قد يكون أداة تعيد ضبط التوازن وتفتح المجال لتطور العلاقات وترتيب الأولويات. فالعدوان الغربي ـ رغم ما حمله من إهانة ـ أجبر الصين على إعادة تقييم ذاتها وبناء أسس دولتها الحديثة.
انطلاقًا من هذا المنظور، لم تعد الصين ترى الغرب “عدوًا ثابتًا”، بل “موقعًا وظيفيًا” يتحدد تبعًا للمصالح والسياقات. من هنا تظهر مقاربة صينية في غاية الأهمية: التمييز بين المستوى الثقافي–الرمزي والاقتصادي–العملي. فالنصوص التاريخية والفكرية وحتى الأدبية في الصين ما تزال تستحضر إرث العدوان الغربي معززة بذلك الهوية الوطنية والتماسك الاجتماعي، في حين أصبح “الخصم” نفسه شريكًا اقتصاديًا وتجاريًا لا غنى عنه.
كما تعكس السياسات الصينية اعتمادها على أدوات مثل “الترويج الناعم” و”القوة الذكية”، مع استلهام إرثها الاستراتيجي نفسه؛ وهو فلسفة أحد أشهر جنرالاتها سون تزو، الذي عدّ “الفوز دون قتال هو الفن النهائي للحرب”، كأساس لمقاربة خارجية تمزج بين حماية المصالح الوطنية وتجنب المواجهة المباشرة.
هذا المنطق البراغماتي يتجلى بوضوح في نمطين متمايزين من العلاقات الصينية مع القوى الغربية:
أوروبا وأمريكا: بين التلاقي والاشتباك
أوروبا – الشريك المرن: العلاقات الصينية الأوروبية امتدت على مدار نصف قرن، تعززت خلالها قنوات التبادل التجاري والاستثماري، حتى غدت بكين ثالث أكبر شريك تجاري لأوروبا من حيث صادرات السلع، والأكبر على الإطلاق من حيث واردات أوروبا السلعية. كما دفعت مؤخرًا الضغوط التجارية التي فرضتها إدارة ترامب الشركات الصينية إلى تعزيز إستراتيجيات “التوطين الصناعي” داخل أوروبا، بحثًا عن منافذ آمنة بعيدًا عن القيود الأمريكية. هذا التوجه عزز من التشابك الاقتصادي بين الطرفين، رغم التوترات السياسية المتزايدة حول قضايا حقوق الإنسان والتكنولوجيا.
في هذا السياق جاء موقف الصين من الحرب في أوكرانيا شاهدًا على البراغماتية التي تحكم علاقاتها الدولية. فبينما امتنعت عن إدانة الغزو الروسي ورفضت المشاركة في العقوبات الغربية، حرصت على تجنب الانخراط في أي دعم عسكري مباشر يمكن أن يضر بمصالحها الاقتصادية مع أوروبا. هذا التوازن الدقيق يكشف عن رؤية بكين للصراع: فالصراع فرصة لتعميق شراكتها الاستراتيجية مع روسيا في وجه ما تعتبره توسعًا لحلف الناتو، دون تجشم المخاطرة بمكتسباتها الاقتصادية في أوروبا.
وإذا كان التداخل مع أوروبا يغلب عليه الطابع الاقتصادي، فإن العلاقة مع الولايات المتحدة تتسم بمستوى أعلى من الصراع الاستراتيجي.
أمريكا – الخصم الاستراتيجي: وعلى النقيض من هذا التعاون النسبي مع أوروبا، تظل العلاقة الصينيةـالأمريكية ساحة للصراع أكثر منها للتكامل. تمثل الولايات المتحدة الحاضر الأشد خصومة في العقل الاستراتيجي الصيني؛ ليس بسبب الصراع التجاري والتكنولوجي فحسب، بل أيضًا لكونها القوة القائدة للنظام الدولي الليبرالي الذي تسعى الصين إلى إعادة هيكلته. ويتحدد موقف الصين من كثير من الدول تبعًا لمدى انخراطها في دعم الولايات المتحدة أو مسايرتها في صراعها مع بكين.
بعد استيعاب الأساس الفلسفي للبراغماتية الصينية وبعض شواهدها، ينبثق سؤال جوهري: لماذا هذا النهج بالأساس؟
يُمكن أن نجد الإجابة في الهوية التاريخية للشعب الصيني، حيث عُرف منذ فجر التاريخ بأنه أمة من الصناع والتجار. وقد جاء ذكرهم عند كثير من المؤرخين والمستكشفين من بينهم الجاحظ والقزويني وياقوت الحموي والراغب الأصفهاني والإمام السيوطي… فكتب عنهم الجاحظ في رسالة أسماها “رسالة التبصر بالتجارة”: “إن كل أمة امتازت بشيء، فأهل الصين امتازوا في الصناعات”.
وقال الإمام السيوطي كذلك: “جُعِلت الصناعة عشرة أجزاء؛ فتسعة منها في الصين وواحد في سائر الناس”. وهذا الإرث الصناعي ـ التجاري القديم هو ما يفسر الطابع الذي يحكم علاقات الصين اليوم ويحدد نهجها.
مبادرة الحزام والطريق: تُعد هذه المبادرة، التي أطلقها الرئيس شي جين بينغ عام ٢٠١٣ على أنقاض طريق الحرير القديم و تربط الصين بقرابة ١٥٠ دولة ومنظمة دولية عبر شبكة ضخمة من الطرق البرية والبحرية، أوضح تطبيق للرؤية الصينية. وباعتبار الصين أمة قائمة بالأساس على الصناعة والتجارة، فإن حالة السلم في العالم هي المناخ الأنسب لتحقيق مصالحها. لذا، فإن المبادرة لا تهدف إلى تدمير النظام الغربي، بل إلى بناء نظام اقتصادي موازٍ يقلل من الاعتماد على المؤسسات الغربية، مع الحفاظ على التفاعل معها.
هكذا تدير الصين التوتر بين الذاكرة التاريخية والمصلحة المعاصرة، وبين الهوية الثقافية والحاجة الاقتصادية. في نهاية المطاف، لا يمكن اختزال علاقتها بالغرب في تصنيف واحد بسيط. فبينما يظل الماضي حاضرًا باعتباره خصمًا تاريخيًا وثقافيًا، يفرض الحاضر رؤية براغماتية تجعل من الغرب شريكًا اقتصاديًا ومنافسًا سياسيًا في آن واحد. هذه المفارقة هي جوهر البراغماتية الصينية في إطار صراعٍ وظيفي يوازن بين الرمزي والعملي. وبينما يحمل الغرب في الوعي الصيني ذكريات الإذلال والمواجهة، يحمل العرب إرث الحوار والتبادل الحضاري.
العرب في عيون الصين: بين الشريك الحضاري والحاجة الاقتصادية
ـ المشترك التاريخي:
حين نتحدث عن الصين والعرب، فنحن نتحدث عن حضارتين تلاقتا منذ فجر التاريخ المدون. لم يكن طريق الحرير القديم الذي جمعهما مجرد شريان تجاري، بل شبكة معقدة لتبادل المعارف – من البوصلة والورق إلى الرياضيات والفلسفة – ما نسج علاقة قائمة على الاحترام المتبادل والاعتراف بالعراقة الحضارية. هذا التأسيس التاريخي يمنح العلاقة المعاصرة بُعدًا مختلفًا جذريًا عن نمط التفاعل الاستعماري الذي ميّز علاقة الحضارتين بالغرب الحديث.
غير أن العلاقة الراهنة لا تُفهم بمرجعيات التاريخ فحسب، بل تُقرأ أيضًا في ضوء محددات داخلية وخارجية ترسم ملامحها على مستويات متعددة، منها: الذاكرة التاريخية والروابط الثقافية والمصالح الاقتصادية، ثم الحسابات الجيوسياسية المعاصرة.
ـ الذاكرة التاريخية والروابط الثقافية:
في الوعي الصيني، يحتل العرب مكانة خاصة كشركاء حضاريين عبر التاريخ. فطريق الحرير ليس ذكرى أثرية، بل هو رمز حي لعلاقة قائمة على التبادل المتكافئ والاحترام المتبادل. وتحتفظ الذاكرة الصينية بصور حية لتلك العلاقة، من بينها التجار المسلمين في أسواق مدينة شيان – المحطة الأولى على الطريق القديم – التي أصبحت بفضلهم أول مدينة صينية يدخلها الإسلام.
لقد حمل هؤلاء التجار، مع العاج والنحاس والصمغ واللبان والكافور والمنسوجات، قيمًا وثقافات ومفاهيم، كما ساهم علماؤهم في إثراء المعرفة الصينية في مجالات مثل الفلك والطب، ونقلوا الحكمة مترجمةً في كلا الاتجاهين. والأهم من ذلك، أن العرب تجاوزوا الشراكة التجارية إلى الوساطة الحضارية، حيث نقلوا الحرير والخزف الصيني وغيرهم إلى أوروبا وأفريقيا، وكانوا البوابة لفهم الصين وتشكيل صورتها عالميًا. هذا الإرث يمنح الصين اليوم مرجعية تاريخية قوية لتقديم شراكتها الحالية كامتداد طبيعي لتفاعل تاريخي مثمر.
وفي الثقافة العربية-الإسلامية تجد الصين صدى قويًا لقيمها الكونفوشيوسية. فهم يشتركان في نظرة فلسفية للتاريخ كدورات طويلة الأمد، تتطلب صبرًا وحكمة. إلى جانب مركزية الأسرة وقيم احترام الكبار وتقدير العلم والعلماء، وتفضيل الاستقرار… جميعها تتيح فهمًا أعمق للخصوصيات الثقافية وتضيف رصيدًا في خطاب الشراكة الحضارية.
ـ المصالح الاقتصادية والحسابات الجيوسياسية
من منظور براغماتي بحت، تمثل المنطقة العربية ركيزة أساسية في الاستراتيجية الاقتصادية الصينية، فهي شريان طاقة يمد العملاق الآسيوي بأكثر من نصف وارداته النفطية، وسوق ضخم لصادراتها من السلع الاستهلاكية والتقنية، ومنطقة حيوية محورية لمشاريع مبادرة الحزام والطريق. هذا التكامل يخدم الطرفين، فبينما تؤمن الصين احتياجاتها وتجد أسواقًا لفائض إنتاجها، تحصل الدول العربية على الاستثمارات والتقنية، وإن كان هذا التكامل ليس متكافئًا تمامًا، فديناميكية التبادل لا تزال تميل لصالح الصين التي تصدر سلعًا مصنعة وتستورد مواد خام، وهو ما يشبه النمط الاستعماري في شكله الاقتصادي وإن اختلف في ممارسته.
إن الشراكة مع الصين مصيرًا حتميًا تفرضه الأرقام؛ فقد تجاوزت الاستثمارات الصينية 200 مليار دولار في العقد الأخير، وتزايد الاعتماد على الصين في مجالات متقدمة حساسة مثل الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والجيل الخامس والموانئ الذكية. هذا الحضور الاقتصادي القوي قد يعكس رؤية الصين للمنطقة، فهي تنظر إلى المشرق العربي كبوابة استراتيجية نحو أفريقيا، وإلى الخليج العربي كمحور إمداد حيوي، وإلى شمال أفريقيا كامتداد طبيعي لطريق الحرير البحري.
ويمكننا القول أنه بعيدًا عن الأبعاد الاقتصادية، تحتل المنطقة العربية موقعًا محوريًا في استراتيجية الصين لمواجهة الهيمنة الأمريكية. فالمنطقة لا تسيطر على أهم ممرات الطاقة العالمية فحسب، بل تمثل أيضًا كتلة سياسية يمكنها المساهمة في إعادة تشكيل النظام الدولي.
وتُعد الدبلوماسية الصينية أداة حاسمة لتحقيق هذا الهدف، حيث يلقى مبدأ “عدم التدخل في الشؤون الداخلية” الذي تتبناه بكين ترحيبًا واسعًا من الأنظمة العربية التي تجد فيه ملاذًا من الضغوط الغربية المتعلقة بالديمقراطية وحقوق الإنسان. هذا التقارب السياسي يسمح للصين بتوسيع نفوذها في منطقة حيوية دون الحاجة إلى التورط العسكري المباشر، معتمدةً على أدواتها الاقتصادية والدبلوماسية لبناء تحالفات طويلة المدى تخدم مشروعها العالمي.
إذن، يتجلى العرب في الوعي الصيني باعتبارهم شريكًا حضاريًا قديمًا وحاجة استراتيجية معاصرة، وهو ما يضعهم ـ وفقًا للخريطة التصنيفية ـ في مصاف الأصدقاء.
وهم التحالف وأفق التحول
بالعودة إلى السؤال الافتتاحي ـ بعد هذا التأصيل ـ حول ما إذا كان العرب ما زالوا مجرد «ممر» و«مورد» في عيون القوى الكبرى، يبدو أن الواقع يؤكد هذا الدور بقدر لا يُستهان به. فالموقع الجغرافي العربي والموارد العربية ركيزة في الحسابات الاستراتيجية. غير أن هذا التوصيف لا يُلغي البُعد الحضاري الذي تستحضره الصين، بل يضعه في مرتبة ثانوية أمام المصالح العملية.
لكن البقاء أسرى لهذه الثنائية ـ ممر ومورد ـ يعطل إمكانيات استعادة دور فاعل ومستقل للعرب في المعادلة الدولية. والتحرر من هذا التصنيف لا يكون بانتظار منقذ خارجي، فليس من الواقعي أن تخوض الصين أو غيرها معارك العرب نيابة عنهم. فعلى ما تحمله الذاكرة الصينية من إشارات إلى شراكة حضارية، فإن الواقع يكشف براغماتية صينية صارمة تفصل بين الخطاب والممارسة. فالعلاقات الاقتصادية الصينية-الإسرائيلية تستمر على أشدها في ظل الإبادة الجماعية، بينما تبقى فاعلية بكين في قضايا الشرق الأوسط الجوهرية – وعلى رأسها القضية الفلسطينية – محدودة للغاية.
إن التحرر من هذا التصنيف يتطلب تحويل عناصر القوة الجغرافية والاقتصادية إلى أوراق تفاوضية، وتوظيف الإرث الحضاري كجسر لشراكات معرفية وتقنية متكافئة. وهنا يمكننا القول أن التحول العالمي من عصر الصناعة إلى عصر صناعة المعرفة يطل كفرصة نادرة للتحرر من ظلال الدور الوظيفي. فالمعرفة ليست موردًا يُستخرج ولا ممرًا يُعبر منه، بل ثمرة تفاعل داخلي بين التعليم والإبداع والبحث العلمي. وإذا ما نجحت المنطقة في بناء بنية مؤسسية للمعرفة والابتكار، وقلّصت من تجزؤ السوق وارتهان القرار للخارج، فإنها ستفرض نفسها شريكًا حضاريًا وفاعلًا.
غير أن النهضة لا تكتمل بلا هوية حية تحفظ الذات الثقافية وتضمن الاستقلال الرمزي. والصين نفسها قدمت نموذجًا في الاعتزاز بلغتها وثقافتها بوصفهما أداة قوة ناعمة. ومن هنا، فإن اللغة العربية ليست زينة ماضٍ غابر، بل وعاء هوية ومعبر وجود، تحفظ حياتها حين تُستعمل في ميادين العلم والفكر والفن والاقتصاد، لا حين تُحبس في الكتب أو تظل رهينة الطقوس. تُكتب لها الحياة وتكون ركيزة النهضة ومفتاح الشراكة حين يخلق أهلها لها سوقًا حقيقية في التعليم والإبداع والإعلام والتواصل اليومي.. حين تُبسط في فضائها الاجتماعي.
في هذا المشهد، تقف المنطقة العربية عند مفترق طرق: إما أن تبقى مجرد سوق استهلاكية، أو أن تتحول إلى شريك حقيقي في نظام دولي جديد يبحث عن أقطاب فاعلة لا عن توابع. فالتحالف لا يُمنح، بل يُبنى عبر إدراك الذات وتوافرها وتفعيل عناصر القوة المتاحة.
وبين وهم التحالف وأفق التحول، يبقى السؤال: هل يملك العرب رؤية حضارية وذاتًا ثقافية قابلة للتفاوض، أم أننا نغادر الغرب فحسب دون وجهة واضحة؟









مقال رائع بالتوقيف ارجو استمرار الحلقات