تُعد كلمة «ثقافة» من أكثر المصطلحات تداولًا في الخطاب المعاصر، غير أنها تبقى محفوفة بالغموض والإبهام، ومنفتحة على تفسيرات وتأويلات متعددة إلى حد مذهل. على سبيل المثال، قبل ٧٤ عامًا من الآن، قام الأستاذان ككروبر وكلكهوهن – وهما من كبار علماء الأنثروبولوجيا الأمريكيين – بمحاولة طموحة لإحصاء التعريفات المتداولة حينذاك لكلمة «ثقافة»، فتمكنا من التوصل إلى ما يزيد عن ١٥٠ تعريفًا مختلفًا، وهو رقم كبير، لا شك أنه قد تضاعف عدة مرات منذ ذلك الحين، مع اتساع مجالات استخدام المفهوم وتشعب السياقات التي يُستدعى فيها.
لكننا لسنا بصدد الخوض في هذا التأصيل المفاهيمي للمصطلح، بل نريد أن نتناول الموضوع من زاوية أخرى أكثر إلحاحًا: كيف تحول مفهوم «المثقف» ذاته في عصر الهيمنة الرقمية؟ وما هي التحولات الجذرية التي طرأت على صورة المثقف وأدواره ومصادر شرعيته في ظل صعود المنصات الرقمية وسلطة الخوارزميات التي باتت تُعيد تشكيل الوعي الجمعي وتلعب دورًا فارقًا في تحديد من يُسمع ومن يُهمش؟ تقودنا هذه الأسئلة نحو استكشاف التحولات التاريخية في مفهوم المثقف، وصوره المتنوعة في الفكر الحديث، والتغيرات الجذرية التي فرضتها هيمنة الإعلام والمنصات الرقمية على الساحة الثقافية المعاصرة.
تعريف المثقف وتحولات المفهوم
امتدادًا للغموض الذي يكتنف لفظ الثقافة، يظل تعريف «المثقف» مشكلةً معقدةً تتجاوز الحدود الأكاديمية لتطال صُلب الوظيفة الاجتماعية والسياسية لهذه الفئة وفقًا للآراء المختلفة. يرى الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي مثلًا أن الذين يقومون بوظيفة المُثقف في المجتمع يمكن تقسيمهم إلى نوعَين، يضم الأول المثقفين التقليديين، مثل المُعلمين والكهنة والإداريين، وهم الذين يستمرُّون في أداء ذلك العمل نفسه جيلًا بعد جيل، ويضم الثاني ما يسميهم المثقفين العضويين، وهم الذين يرتبطون مباشرةً بالطبقات أو المشروعات التي تستخدمهم في تنظيم مصالحها واكتساب المزيد من السلطة والرقابة.
من زاوية أخرى، يعرف جوليان بندا المثقفين على أنهم عصبة ضئيلة من الملوك الفلاسفة من ذوي المواهب الفائقة والأخلاق الرفيعة الذين يشكلون ضمير البشرية. بينما يرى إدوارد سعيد أن المُثقف فردٌ يتمتع بموهبةٍ خاصةٍ تُمكنه من حمل رسالةٍ ما وتمثيل وجهة نظرٍ ما إلى مجتمعٍ ما، وأن دوره الحقيقي يكمن في طرح أسئلةٍ محرجة، ومواجهة ما يجري – في رأي أصحابه – مجرى الصواب المطلق، أو ما يمكن تسميته بالجمود المذهبي.
وإجمالًا، يمكن القول أن المثقف في الوجدان العام هو الفاعل المعرفي الذي يمتلك رؤية نقدية تجاه الواقع، يستخدم في التعبير عنها أدوات رمزية متنوعة، ويسعى إلى التأثير في المجال العام وتوجيه الوعي. كان هذا المثقف – في صيغته الكلاسيكية – يؤدي أدوارًا كبرى، فهو صوت الضمير الجمعي الذي يقف في وجه السلطة عندما تؤثر الأغلبية الصمت، وصاحب المشروع الفكري الذي يعمل على تأسيس رؤيةٍ كونيةٍ أو اجتماعيةٍ أو سياسية، والمنظِّر والمؤطِّر الذي يُنتج المفاهيم ويؤسس لمناهج التفكير، والفاعل المستقل في المجال العام الذي يخلق صداه من خلال الصحافة والجامعة والكتاب والمناظرة.
لكن هذه التعريفات الكلاسيكية تواجه تحدياتٍ جذريةً في عصر الهيمنة الرقمية. فمع صعود الإعلام التقليدي أولًا، ثم منصات التواصل الاجتماعي ثانيًا، تحولت معايير الشرعية الثقافية من العمق المعرفي والإنتاج الفكري إلى مدى الحضور الإعلامي وعدد المتابعين. هكذا بات المثقف يواجه على نحو أكثر حدة ووضوحًا ما أشار إليه سي. رايت ميلز من خيارٍ صعبٍ: إما الانضمام إلى صفوف المؤسسات والشركات، أو المحافظة على الاستقلالية مقابل التهميش والعجز عن الوصول إلى جمهور أوسع.
يكمن التحول الأساسي في انتقال المثقف من كونه «حاملًا لرسالة معرفية أو أخلاقية» إلى كونه «صوتًا مسموعًا» على المنصات، حيث يُصبح الحضور الإلكتروني معيارًا قد يتجاوز في أهميته العمق الفكري أو الإنتاج العلمي، مما يطرح أسئلة جوهرية حول مصير الدور النقدي الفاعل للمثقف في عصر الخوارزميات.
المثقف في قبضة الآلة
مع تصاعد هيمنة المنصات الرقمية، تجاوزت دورها الأساسي كأدواتٍ للنشر والتواصل، وتحولت إلى ساحات جديدة للمعرفة والتأثير، تحكمها قوانين مختلفة كليًا عن قوانين الفضاء الثقافي التقليدي، أي أنها أصبحت بالتدريج قوة فاعلة في تشكيل هوية المثقف ذاته.
الخوارزمية، بوصفها العقل الخفي لهذه المنصات، هي منظومة حسابية تعتمد على تحليل سلوك المستخدمين – نقراتهم، تفضيلاتهم، وتفاعلاتهم – لفرز المحتوى المستحق للظهور. إلا أن هذا التحديد ليس علميًا، ولا حتى محايدًا، بل يحكمه بمبدأ واحد، هو إبقاء المستخدم أطول فترة ممكنة داخل المنصة، وتحفيز أكبر قدر من التفاعل، بغض النظر عن عمق المحتوى أو سطحيته، ما يهمها هو شيء واحد: هل سيتفاعل الجمهور معه؟ هذا التدخل الناعم الذي يفضي إلى إعادة تشكيل المحتوى وفقًا لمعايير التفاعل والانتشار، يخلق ديناميكيةً معقدةً بين المثقف والآلة.
على الرغم من ذلك، فالعلاقة بين المثقف والخوارزمية ليست علاقة تبعية صِرفة، بل أشبه شيء بعلاقة تفاوضية معقدة، فالخوارزمية تُعيد تشكيل المحتوى بناءً على ما يحقق التفاعل، بينما يعيد المثقف تشكيل ذاته وخطابه ليحافظ على الظهور. هكذا صار أمامنا نوع جديد من المثقفين، ينتج محتوى مشروطًا بما يُرضي نظام التوصية، من إعجاباتٍ ومشاركاتٍ وتعليقات.
يلقي هذا التحول بظلال كثيفة من الشك على طبيعة الإنتاج الثقافي المعاصر، فالمثقف الذي كان حريصًا على تقديم رؤيته الخاصة للأجيال القادمة، أمست غايته إنتاج محتوى يحظى بالتفاعل الفوري. والمعرفة التي كانت تُقاس بالعمق والأصالة والقدرة على التأثير، صارت تُقاس بعدد المشاهدات والمشاركات. وسلطة النشر التي كانت محصورة في المؤسسات الثقافية التقليدية، انتقلت إلى أفرادٍ يغنيهم فهمهم لقواعد اللعبة الرقمية عن من امتلاك أي عمق معرفي حقيقي.
هل هو خلق جديد، أم فقط إعادة تشكيل؟
وإذا صار المثقف في المفهوم المعاصر هو الإنسان الذي يمتلك حضورًا قويًا على وسائل التواصل، ويتكلم في الشأن العام بعدما يزن آراءه وأفكاره بميزان القبول الجماهيري في المقام الأول، ألا يُعد ذلك تحولًا خطيرًا في مفهوم الشرعية الثقافية، بعدما لم تعد المؤسسات الأكاديمية أو النقدية هي مصدر الاعتراف الأهم، وصارت الخوارزميات تمتلك سلطة في تحديد من يظهر ومن يُهمش؟
كم تساوي المعرفة الآن؟
متى ما تحولت المعرفة إلى سلعة قابلة للقياس بالأرقام: عدد المتابعين، المشاهدات، الإعجابات، المشاركات، صار لدينا بالتبعية مؤشرات رقمية تحدد قيمة المثقف بشكل فوري وقابل للمقارنة، فهل تعكس هذه الأرقام حقًا عمق التأثير الفكري؟ تكمن المفارقة في أن محتوى سطحيًا قد يحقق ملايين المشاهدات، بينما يُهمَّش المحتوى العميق الذي يتطلب تأملًا وتفكيرًا. قد يكون التحليل الأكثر منطقية لهذا المشهد ما نجده في نظرية «الحقول الرمزية» لعالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو.
يقسم بورديو المجتمع إلى مجموعة من الحقول أو الساحات المتخصصة – كالحقل الأدبي، والفني، والسياسي، والأكاديمي – ولكل حقل قواعده الخاصة، وأشكاله المميزة من «رأس المال»، فكما أن رأس المال الاقتصادي هو النقود، والاجتماعي هو العلاقات، يتمثل رأس المال الثقافي في المعرفة والذوق وما إلى ذلك، ويسعى كل فاعل داخل هذه الحقول إلى تحصيل أكبر قدر ممكن من رأس المال هذا؛ لترسيخ مكانته ومراكمة تأثيره.
لكن بورديو ينبه إلى أن القواعد ليست ثابتة، وأن تحول موازين السلطة داخل أي حقل يؤدي إلى إعادة تشكيله بالكامل. هكذا يمكن فهم ما حدث مع بروز المنصات الرقمية التي فرضت رأس مال رمزي جديد هو عدد المتابعين ومعدل التفاعل. بهذا المعنى، أعادت المنصة تشكيل الحقل الثقافي، فلم يعد الاعتراف محصورًا في المؤسسة الأكاديمية أو النقدية، بل بات يُمنح أيضًا – وربما أساسًا – من «السوق الرقمي»، وأصبحت القيمة الرمزية للمعرفة خاضعة لقوانين العرض والطلب الرقميين بدلًا من معايير الجودة والعمق التقليدية.
توقفنا في هذا الجزء عند التحول في مفهوم المثقف ودوره، وكيف خفت وهج المثقف الكلاسيكي حامل الرسالة المعرفية والأخلاقية لصالح ظهور مثقف وسائل التواصل الذي يتحرك وفق منطق المنصات وعلى إيقاع «الريتش». لم تعد القيمة الثقافية تُقاس بعمق الإنتاج الفكري أو التأثير المعرفي، بل بعدد المتابعين والمشاهدات والإعجابات، في انحراف يعيد تعريف الثقافة على نحو جديد.
يضعنا هذا التشخيص أمام أسئلة أكثر تعقيدًا: كيف يتعامل المثقف الجاد مع هذه المعادلة الصعبة بين الحفاظ على قيمته الفكرية والحاجة إلى الظهور؟ وما هي الأشكال الجديدة التي يتخذها المثقف في عصر المنصات؟ وهل انهارت المؤسسات الثقافية التقليدية نهائيًا، أم أنه ثمة إمكانية للمقاومة؟ تفسح هذه الأسئلة مجالًا لغوص أعمق في بنية الأزمة الثقافية المعاصرة بحثًا عن حلول حقيقية ومعالجات جادة، وهو ما نسعى إليه في الجزء الثاني من هذه المادة.








