الثَّرى والثريَّا

الجزء الثاني من سلسلة “من ومضات من السيرة”.

في شهر رجب من السنةِ التاسعة من الهجرة النبويةِ المباركةِ، قصدَ النبيُّ ﷺ تبوكَ بأصحابِه رضي الله عنهم غُزاةً في سبيلِ الله.

كان العربُ في الجاهلية، والمسلمونَ في الإسلام، خصوصًا أهلَ السبْقِ إلى الإسلام والصحبة الطويلة، قد أنضجَتْهم الحروبُ، وتمرَّسُوا بالقتال دهرًا طويلا، وكان لِلقتال في الإسلام شأنٌ مختلفٌ قليلًا عما قبله، إذ كان للإيمانِ وإخلاصِ النيةِ للهِ في القتال تأثيرٌ بيِّنٌ في مسير المعاركِ زيادةً ونقصًا، وهُما سلاحٌ أشدُّ مَضاءً من السيوفِ القواطع، متى ما أحْسَنَ حاملو ذلك السلاحِ أن يقاتلوا به.

وهذه إشارةٌ عابرةٌ تتجلى بتَتَبُّعِ مغازي العهد النبوي والسرايا فيه.ولقد امتدَّ خطُّ الجهادِ في حياةِ رسول الله ﷺ امتدادًا مكثَّفًا في مدةِ تسعِ سنين، يزدادُ المؤمنون على امتدادِ تلك المراحلِ قوةً وصلابةَ عُودٍ، ويَهِنُ الكفرُ والضلالُ في نفوسِ خصومِ الإسلام، الذين توافدوا إلى الدين الحنيف أفواجًا بعدَما فتحَ الله ﷻ على رسولِه ﷺ والمسلمين مكة، فما مضت سنةٌ بعد ذلك الفتح العظيم، حتى اجتمعَ من المسلمين جيشٌ قوامُه ثلاثون ألفَ مقاتلٍ، خرجَ بهم النبيُّ ﷺ إلى تبوكَ لقتالِ الرومِ وأشياعِهم من نصارى العرب.فكأنما دَهِشَ أفرادُ ذلك الجيشِ الهائلِ بتلك الوجهة البعيدة، وهُم الذين كثُرتْ صولاتهم وجولاتهم في ميادينِ القتالِ، وارتَوَتْ من جراحاتِهم أراضي الحروبِ، لم تكن تنقصُهم شجاعةٌ أو بسالةٌ، ولم يكونوا أغرارًا غيرَ مجرِّبين، وطالما اختَلَسَ أبصارَهم بَريقُ السيوفِ في ساحاتِ المعارك..

ثم لقد كان فيهم السابقون الأولونَ من المهاجرين والأنصارِ، الذين وَقَفوا نفوسَهم وأهليَهُم وأموالَهم لله ورسولِه، والذين طالما عُقِدت لهم ألويةُ الجهاد في أنحاءِ الجزيرةِ الفَساحِ، ولاقَوا في أيامِهم من ظلفِ العيشِ ما كان مِرانًا لهم على الشدائد والأهوالِ مهما عَظُمَت واستفحلَتْ.تلك الغزوةُ كانت تستلزمُ استعدادًا تامًّا وجَهازًا كاملًا، فالشقةُ بعيدةٌ والعدوُّ كثيفٌ، والحرُّ شديدٌ والثمارُ نضيجةٌ والظلالُ طيبةٌ رغيبةٌ، لذا لم يستعملْ رسولُ ﷺ التوريةَ عن مخرَجِه إلى تلك الغزوةِ كعادتِه ﷺ في غزواتِه، بل صارحَ للناسِ وكاشَفَهم بالوجهة ليكونوا على بيِّنةٍ من أمرِهم، ويأخذوا للأمرِ عُدتَه.

لم يكُنْ جَهازُ جيش المسلمين وعُدَّتُه بالمال والسلاح والرواحلِ مشكلةً في غزوةٍ من مغازي النبيِّ ﷺ أوضَحَ منه في تلك الغزوة، التي سُميَتْ غزوةَ العسرةِ من أثَرِ ذلك، فكان الحثُّ على الإنفاقِ لتجهيز الجيش ملحًّا جزيلَ الثوابِ، فأسهَمَ كلُّ امرئٍ بما عندهُ، يأتي الرجلُ بأواقي الذهب، ويقدُمُ الآخر بنصف مالِه، والثالثُ بمالِه كله، ويجهِّزُ أحدهم نصفَ الجيشِ من ماله، وينفق رجلٌ صاعًا من تمرٍ، حتى أن أحدَهم لم يجدْ نفقةً إلا العفوَ عمَّن نالَ منه يومًا، فكُتِبتْ في الزكاة المتقبَّلة، وبقيَ قومٌ تفيضُ أعينهم من الدمع حزنًا ألَّا يجدوا ما ينفقون.فكانت تلكَ من أعظمِ صوَر التكافلِ الاجتماعيِّ وامتدادِ أواصرِ الأخوَّة الإسلامية في أصعب الظروفِ.

لقد كانت هذه الغزوةُ موطنَ سبْقٍ إلى الخير وتنافُسٍ فيه، وظهورٍ لنوازعِ النفوسِ وخطَراتِ القلوبِ ومقاماتِ الإيمانِ العليا أبْيَنَ ما تكون، وكانت أيضا مجالًا لامتحان ما في النفوس مما يمتازُ به المنافقون الأدعياءُ من أهلِ الإيمان والدين، الذين كانوا بينَ مرتحلٍ مع رسول الله ﷺ غازيًا في سبيل الله، وبينَ صادقٍ في دينه لكنَّه ركَنَ إلى الدعة والراحة ولم تنهَضْ به همَّةٌ إلى القتال حتى افْتلتَتْ الفرصةُ من بين يديَه، فقَعَدَ خلف المسلمين يتلهَّفُ على ما فاته من الخير والثواب.ولقد فُضِح أهلُ النفاقِ في هذه الغزوةِ وعلى أثرِها كما لم يُفضَحوا من قبلُ، حتى لكأن تلك الغزوة لم تكن قصدًا إلى قتالٍ ولم تكن إلا لفضح المنافقين وإبرازِ طواياهم الخبيثةِ وسجاياهم القبيحة، وكشْفِ ستر الله ﷻ عنهم ليعرفَهم المسلمون سواءً بأعيانهم في عهد رسول الله ﷺ أو بأوصافهم ما بقيَ على وجه الأرضِ مؤمنٌ ومنافق!

يُتبع..

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك...