كربلاء، سلسلة تاريخية أدبيَّة تقع في عدة أجزاء، وتقرأون الآن: الجزء الأول.
كان صحابة النبي على علم بمصير الحسين قبل أن يكون، فيذكرون أن “سلمان الفارسي” أقبل على “علي بن أبي طالب” يُهَنِّئه بوليدته زينب، فلقيه حزينًا يتحدَّث عمَّا تلقى ابنته في كربلاء.
ينقل ابن الأثير في “الكامل” أن النبي ﷺ أعطى أم سلمة ترابًا حمله له أمين الوحي من التربة التي سيراق فوقها دم الحسين، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم – لأم سلمة : إذا صار هذا التراب دمًا فقد قتل الحسين . فحفظت أم سلمة ذلك التراب في قارورة عندها، فلما قتل الحسين صار التراب دمًا ، فذاعت في الناس نبأ الحسين.
وسوف يذكر التاريخ أن “زهير بن القين البجلي” خرج من مكة بعد أن حَجَّ عام60ه، فصادف خروجه مسير الحُسين إلى العراق، فكان زهير يساير الحسين لكنه لا ينزل معه، قاستدعاه الحسين يومًا فشَقَّ عليه ذلك، ثم خرج من عنده مُقبلًا على أصحابه يقول: “من أحب منكم أن يتبعني وإلا فإنه آخر العهد”.
ثم راح يروي لهم قصة قديمة مفادها أنه خرج مع سلمان الفارسي مرة في غزوة فظفروا وأصابوا غنائم، فقال سلمان “إذا لقيتم سيد شباب أهل محمد ﷺ فكونوا أشد فرحًا بقتالكم معه منكم بما أصبتم اليوم من غنائم”.
ثم توجَّه زهير بعد حديثه فوَدَّع أهله، ووصَّى صغاره الأيتام، وصبَّر أمه الثكلى، وطَلَّقَ زوجته مخافة الإرمال، ولزم الحسين حتى قُتِلَ معه.
وأما “علي بن أبي طالب” ، فرجل لم يسبقه الأولون بعمل، ولا يدركه الأخرون بعمل.. لكن لسبب ما، مات بسيف بن ملجم.
ثم تنازل الحسن لأنه كما أخبر جدَّه ﷺ “إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ” .. فظن السيد السبط أن نزوله عن حقه مُنَجّيه من الهلاك، وحاقن دماء آله من سيوف السفاحين.
كان معاوية يعلم جيدًا أنه لن تتم بيعة ليزيد ابنه والحسن مِلْء قلوب الناس، وأن الخلافة لا تُصرَف عن الزهراء وحفيد خديجة أمام حفيد “هند” آكلة الأكباد التي انحنت على جثة حمزة تمزقها، وتجدع الأنف، وتصلم الأذنين، وتسمل العينين، ثم بقرت بطنه وتناولت كبده الحارة تلوكها بأسنانها في غبطة واشتهاء، ثم دخلت في طلقاء مكة آمنة بعهد ابن الأخ الكريم ﷺ.
وإن يزيد ليذكر جيدًا يوم خطب أبوه في الناس بعد أن تنازل له الحسن، فذكر عليًّا فنال من الحسن وأبيه، فقام الحسين ليرد عليه، فأخذ الحسن بيده فأجلسه وقال:
أيها الذاكر عليًّا، أنا الحسن وأبي علي، وأنت معاوية وأبوك صخر، وأمي فاطمة وأمك هند، وجدي رسول الله ﷺ، وجدك حرب، وجدتي خديجة وجدتك قتيلة، فلعن الله أخملنا ذِكْرًا وألأمنا حَسَبًا وشرنا قدمًا وأقدمنا كُفْرًا ونفاقًا..
فقال المسجد “آمين”.
لذلك، فلم يكُن شيء أثقل على معاوية من أمر الحسن بن علي، فدسَّ له السم، وسلَّم يزيد مُلكًا عضودًا لا يستتب إلا ببيعة ثلاثة: الحسين بن علي، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزُبَيْر.
استقر الرأي بالحُسَيْن على الخروج إلى شيعته بالعراق.. لكنهم لسبب ما، ألسنتهم كما الخارق في الدعة، وفي الجد فمرواغون كالثعالب، فبعدما بايعه اثنا عشر ألفًا، ثم عزل “يزيد بن معاوية” واليه على الكوفة “النعمان بن بشير الأنصاري”، واستبدله بـ”عبيد الله بن زياد”، كان موقف أهل الكوفة بعد ذلك عجبًا، إذ كانت المرأة منهم تأتي ابنها فتقول “انصَرِف، الناس يَكْفونك” ويجيء الرجل إلى أخيه فيقول “غدًا يأتيك أهل الشام فما تصنع بالحرب؟ انصرف”.. فما زالوا يتفرقون عن “مسلم بن عقيل” رسول الحسين وينصرفون، حتى أمسى وما معه إلا ثلاثون رجلًا صلى بهم المغرب وخرج نحو أبواب “كندة” فما بلغها إلا ومعه عشرة، ثم جاوزها فإذا ليس معه إنسان!
ثم لجأ “مسلم” إلى دار امرأة عجوز مُتَخفيًّا عن شرطة ابن زياد، فوشى به ابنها، فأعطاه ابن زياد الأمان بعد أن أحرق عليه الدار، ثم صعد به إلى أعلى القصر، فضُرِبت عنقه، وأُلقيت جثته من عَلٍ، وصُلِب صاحبه “هانئ بن عُروة” في السوق بعد أن سِيقَ مكتوف الأيدي.
كل ذلك حدث وآل البيت في مكة يقرأون كتاب مسلم بأخذ البيعة للحسين وانتظارهم إياه، بينما ينصحه “عبدالله بن عباس” و “عبد الله بن جعفر الطيار” زوج “زينب بنت علي” عقيلة بني هاشم بعدم الخروج.
لكن المنايا يَرْصُدنَه أن يحيدَ.. وسُمِعَ ابن عباس يُرَدد “خلا لك الجو فبيضي واصفرّي، ونقري ما شئت أن تنقري، هذا الحسين خارجًا فاستبشري”.
رَد الحسين ناصحيه ردًّا جميلًا، ثم مضى في طريقه لا يلوي على شيء، فزار قبر جَدَّه ﷺ مودِّعًا وهو يقول “وقد غسلتُ يدي من الحياة، وعزمتُ على تنفيذ أمر الله”.
خرج الحُسَين ومعه عترة وآل بيت النبي الكريم على غير رَجْعة.. وللحديث بقية.









