لو سألني أحدهم: ما هي العصا السحرية التي يمسك بها كثيرون في أيديهم وهم لا ينتبهون إلى قدراتها الفائقة على تغيير الواقع والحياة؟
سأجيب: القراءة، ومن بعدها العادات اليومية المنتظمة التي نسميها في عصرنا “الروتين”.
ولعلنا نتحدث عن سحر الروتين الضائع في موضع آخر، لأنني الآن محكوم بأن أتحدث عن سحر القراءة الضائع، كأول لبنةٍ أضعها في ملف أقدمه للقراء بعنوان “منهجيات القراءة”.
إن القراءة يمكنها أن تفعل لنا الكثير، لكننا نستخدمها بعشوائية كبيرة، ونعرض ممارستنا لها لكل المثالب التي تغزونا بها السوق الثقافية، والضغوط التي يحكمنا بها الفضاء الاجتماعي، فنفقد في كثير من الأحيان قدرتنا على توجيهها لخدمة أهدافنا التي نبتغي، وتصير هي في النهاية أداة الأوساط الخارجية للسيطرة على حياتنا، ووعينا، بدلًا من أن تكون الطريق الذي منه النجاة، والسبيل الذي فيه الحرية.
القراءة هي اللغة التي تقابلنا خارج حدود التعامل اليومي؛ حيث يمكن لوظائف اللغة غير التواصلية المباشرة أن تظهر، وحيث يمكننا أن نرى كيف تمارس اللغة سحرها في إنشاء الصور، وتحفيز الخيال، وتكثيف المعاني، وبناء المفاهيم، والأهم تعدين المعرفة، ففي القراءة نشاهد طبقات حيَّة من الأفكار المتراكبة المتوالدة في سلسلةٍ طويلة من الفكر، تخللتها عمليات نقد وتحليل، وتأييد، وتفسير وشرح، انتقلت خلالها الفكرة الأولية لتكون نظرية ومنهجًا مرورًا بتحولها لموضوع ومثال وبرهان.
والقراءة هي عالم صناعة المعنى خارج واقعنا المأزوم، الذي يخلو من المعنى في كثير من الأحيان، حيث تصبح اللغة المعيشة غير قادرة على مدِّنا بإجابات عن حكمة ما يحدث، وسبل مواجهته، وطرق اتصاله بالمعاناة الإنسانية العامة عبر التاريخ.
والقراءة في حضارتنا الإسلامية هي التفقه والتبصر في أمور الدين والدنيا، بما ييسر الاتصال بينهما فيما يُرضي الله “عز وجل” وبما ينهض بحياة المسلمين ونشاطهم العمراني في خلافة الأرض، لذا كانت الكلمة الأولى في الوحي، لأنه لا سبيل إلى معرفة معالم الدين من اللغة المستخدمة في السياق المعيش، بل من الوحي الذي نزل نصًا مُحكمًا يُسر بيانه للناس، ثم أُحيل متشابهه إلى العلماء الربانيين القادرين على القراءة المتبصرة، التي تمتلك أدوات العلم لفهم طبقات النص.
ومن هنا سار المسلمون خلف نبيهم “صلى الله عليه وسلم” يجيبون الكلمة الأولى بما تستحقها في كل سياق، وسارت القراءة مع أمة الإسلام في مراحل مترتبة على بعضها في سلامة، وكل مرحلة من تلك المراحل تضيف منهجية للقراءة كي ستبصر وتهتدي، فرأينا ابن عباس “رضي الله عنهما” وهو يؤسس لقواعد فهم القرآن ويحيل اللفظة إلى معناها في السياق العربي المبين، سياق الشعر، ثم يأتي الإمام الشافعي رحمه الله فيبني على ذلك، ورأينا كيف تعاقبت العلوم العربية بل والحسابية على التأسيس كي تخدم أبواب الفقه في حياة المسلمين.
هذه الدائرة من التفاعل بين النص والحياة، وفي الوسط منها أعلام وصلوا بالقراءة إلى تأسيس منهجيات علمية أفادت المسلمين في أمر دينهم ودنياهم، ووسعت حضارتهم وساهمت في نهضتهم، تمنحنا ضوءُ أمل] وسط ما نحن في من فوضى معرفة وأوهام ثقافة وأمراض قراءة، وبالنظر إلى واقعنا المعاصر وما نحتاجه فيه من أدوات لجعل عملية القراءة أعظم ثمرة، وما يمكن أن تمنحنا إياه مسيرة القراءة في حضارتنا الإسلامية، وما تهبنا إياه الحكمة العالمية من إضاءات في الفكر واللغة والمعرفة، نخوض في أمر صعب وهو البحث عن منهجيات القراءة، سحرها الضائع الذي نتمنى أن يعود.
وقبل اقتراح منهجيات في الحلقات القادمة من هذه السلسلة، أطرح هنا بعض المبادئ العامة التي تعين القارئ على تصور ضرورة وجود المنهجية في القراءة.
المبدأ الأول: لا سبيل للقول بأن القارئ الذي يقرأ من أجل المتعة لا يحتاج إلى منهجية للقراءة، بحجة أنه لا يروم هدفًا مُحددًا من القراءة سوى المتعة، فهذه المتعة حتمًا سيرافقها فكر متسرب إلى الذهن ورؤية مُشكِّلة للنظر، وبالتالي ستؤثر هذه القراءة في فكره وحياته، شاء أم أبى، وهو يظن أنها ستقف عند حدود المتعة الآنية التي سيحصل عليها ساعة القراءة.
المبدأ الثاني: لا سبيل للقول بأن المنهجية على إطلاقها مُقيدة للإبداع، وأن العشوائية على إطلاقها محفزة له، فعملية الإبداع عملية معقدة تتراكب فيها ثنائيات عدة؛ فهي تطلب في بعض مساحاتها حرية التجريب، وفي مساحات أخرى تطلب التبصر والاهتداء.
المبدأ الثالث: يمكن للمرء أن يقع أسير منهجية ما، فيحرم نفسه من الفضاء الواسع للمنهجيات والرؤى، وهنا تنقلب المنهجية لتؤدي إلى عكس أهدافها.
المبدأ الرابع: ينتشر بين القراء كثير من أمراض القراءة، مثل الهوس بنوع ما من الكتب، أو القراءة المتحفزة ضد فكر ما، أو القراءة تحت تأثير الهالة، أو الخضوع للثقافة الغالبة، أو الخطاب الاعتذاري، أو الخطاب المتطرف، ولكي يستطيع المرء اكتساب منهجيات للقراءة؛ فعليه أن يتعافى أولًا إن كان مصابًا بأحد تلك الأمراض الفكرية الخطيرة.










جميل بارك الله فيكم
متشوقون للمقالات القادمة
جميل جدًّا، أعتقد أننا بحاجة لطرق هذه المشكلة والطواف حول إشكالاتها وأغوارها كثيرًا حتى يتقرر في ذهن العوام أهميتها والولوج إلى رحابها…