“وكان أبو بكرٍ وعمرُ ينقلان الترابَ في ثيابهما…، وكانا لا يفترقان في عملٍ، ولا مسيرٍ ولا منزل” (سبل الهدى والرشاد)
عبارةٌ أخاذةٌ، تحكي حالَ أبي بكرٍ وعمر رضي الله عنهما أيامَ حفْرِ الخندق، تنطوي على كثيرٍ مما يعلمُه الناسُ، وكثيرٍ مما لا يعلمونه، من حسن الصحبة وجميل العلاقة بين هذين الرجلين، اللذَّيْن هما أكرمُ خلقِ الله على الله ﷻ بعد أنبيائه ورسله، عليهم الصلاة والسلام.
كان هذان الرجلان العظيمان= صورتَيْنِ للكمال الإنساني الذي يتلو كمالَ الأنبياء والمرسلين، كمالٌ له هيأتُه وطبيعتُه في كلِّ واحدٍ منهما، وكما كانا قرينَيْنِ في الواقع، فقد طالما كانا قرينيْنِ على لسان رسول الله ﷺ، فكان ﷺ يُكثر أن يقول: “ذهبتُ أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكرٍ وعمر، وخرجتُ أنا وأبو بكر وعمر”، ثم هما قرينان في نفوس المسلمين وأذهانهم، وذلك أمرٌ تغني استفاضتُه واشتهارهُ عن الإطناب فيه.
حتى الخلافُ حين يقعُ بينهما كان يقعُ نبيلًا جليلًا، مشحونًا بالعظة والعبرة، منغمرًا في صادق المودةِ وخالصِ المحبة الوافرة بينهما، المحبة التي امتدَّتْ خلالَ حياتهما، ثم إلى بعد التحاقهما بالرفيق الأعلى متجاوريْن في صحبة الحبيب ﷺ وجواره الشريف.
…
في حوارٍ كان بينهما، أغضَبُ أبو بكرٍ صاحبَه عمرَ، فانصرفَ عمَرُ، وظَلَّ أبو بكرٍ يتبعُه يطلبُ منه الاستغفار له، فيأبى عمَرُ، حتى وصل إلى منزله، وأغلق بابه في وجه أبي بكرٍ!
فانطلق أبو بكرٍ إلى النبيِّ ﷺ، ونَدِم عمرُ على ما كان منه في حقِّ أخيه وصاحبه، فمضى إلى النبيِّ ﷺ، فحكى له ما كان بينهما، فغضبَ النبيُّ ﷺ لصاحبِه، الذي كان أسبَقَ الناسِ إلى كلِّ خيرٍ، مِن لدُن إسلامه حتى لقيَ ربَّه ﷻ، وانتهَرَ مَنْ يتعرضُ لصاحبه بكلمةٍ فما فوقَها، فما أوذِيَ أبو بكرٍ بعدها!
وحين وفدَ بنو تميمٍ على النبيُّ ﷺ، أراد ﷺ أن يجعل لهم رئيسا، فاقترحَ عليه أبو بكرٍ عليه رجلًا منهم، وأشار عُمر برجلٍ آخر، فاختلَفَا وارتفَعَتْ أصواتُهما عند النبيِّ ﷺ، فنَزل لذلك قول الحق ﷻ: { يَا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النبيِّ }، فكان عمرُ بعد ذلك لا يكلِّمُ النبيَّ ﷺ إلا قريبا من الإسرار.
…
وقد يقعُ في نفس المرءِ من أخيه وصديقه المقرب شيءٌ يكون سببَهُ سوءُ الفهم، أو العجلةُ عن التماس العذر، فإذا انجلى الأمرُ، زال الكدَرُ وجَرَت مياهُ الودِّ والأخوَّةِ صافيةً نقية.
كانت حفصةُ بنت عمر عند خنيس بن حذافة السهمي، فلما استُشهِد يومَ أحُدٍ، صارت حفصةُ بلا زوجٍ، فعرضَ عُمَرُ على عثمان بن عفان أن يتزوجها، فلم يكن له حينئذٍ رغبةٌ في الزواج، فعَرَضَ عمرُ على أبي بكرٍ أن يتزوجها، فلم يُجِبْه أبو بكرٍ بشيءٍ، فكان عدمُ جوابِ أبي بكرٍ= أشدَّ وقْعًا في نفس عمرَ مِنْ رفْضِ عثمان الصريحِ، رضي الله عنهم أجمعين.
فما لبثَت أن خطَبَها رسولُ الله ﷺ، فذَكَر أبو بكر لعمر: أن الذي منعه من الزواج بها يومَ عَرَض عليه ذلك= رغبةُ رسول الله ﷺ في الزواج منها، فطابتْ نفسُ عُمرَ، وذهب عنه ما وَجَد في نفسه على صاحبِه الأثير.
…
وذلك كلُّه مما لا تكاد تخلو منه صداقةٌ مهما بلَغَ طَرَفاها من سمُوِّ النفسِ وكمال الديانة وعلُوِّ الأخلاقِ، ومهما كان قدْرُ ما بينهما من المحبةِ والأخوَّة، لكنه سرعان ما كان يزولُ بينهما، ولا تزدادُ مودُّةُ بينِهما إلا متانةً ورسوخًا، حتى لقيَ أبو بكرٍ وجهَ ربِّه ﷻ بعد نبيِّه ﷺ، فظَلَّ عُمَرُ مستمسكًا بالعهد الذي قامت عليه تلك الأخوَّةُ الفاردة، والصداقةِ الفاذَّة، عهدُ الإيمان والتقوى وميثاقُ العدل والرحمة، العهد الذي جعلَه يرضى بأدنى شيءٍ من العيش وأشدِّه مشقَّةً على النفس، شعارُه في ذلك: “أَمَا وَاللَّهِ لَئِنِ اسْتَطَعْتُ لَأُشَارِكَنَّهُمَا بِمِثْلِ عَيْشِهِمَا الشَّدِيدِ، لَعَلِّي أُدْرِكُ مَعَهُمَا عَيْشَهُمَا الرَّخِيَّ”!.









