بدأ صاحب التاكسي الذي ركبت معه الكلام بعد فترة صمت، تأسَّف لحال إخواننا في غزة، ولعن من يفعل هذا بهم. لكنه، وبعد فترة من التطواف على أحداث تاريخية من غزو العراق إلى نصر أكتوبر إلى حرب الخليج، قال إن الفلسطينيين هم من باعوا أرضهم. أصابتني الصدمة، إذ كيف يُردد مثل هذا الكلام في بلد عربي؟ كذبة تافهة تزعم أن الفلسطينيين باعوا أرضهم، انطلقت من قوس غاصب قذر، لتُشوه حقيقة شعبٍ وتُبرِّر سرقة وطن. نُسجت هذه الأسطورة المغرضة في أروقة الاستعمار، لتُلبس الظلم ثوب الشرعية، وتُصور الفلسطيني كمن تخلى عن ترابه طوعًا، كأنَّ الأرض التي سُقيت بعرق الأجداد ودماء الشهداء يمكن أن تُباع كسلعةٍ في سوق النخَّاسين.
وصار جزء من الجماهير العربية يُرددها دون وعي، كما يستخدمها البعض كمبرِّر لحالة التخاذل العربي تجاه مأساة إخوانهم في فلسطين. هكذا تتشكَّل زاوية من زوايا الحرب الثقافية التي تُمارَس على القضية الفلسطينية، تبدأ بشيء تافه، ثم تكبر شيئًا فشيئًا حتى تصير خنجرًا مسمومًا موجهًا للشعب وقضيته.
يعلمنا هذا ألا نستهين بكل الأدوات الثقافية التي يسخرها الكيان الصهيوني وأعوانه في خدمة سرديته وإضعاف روح المقاومة، حتى لو كانت رواية منشورة، أو فيلمًا، أو أغنية، أو وصفة مطبخ يُصر الكيان على نسبتها إليه زورًا.
أما عن أكذوبة بيع الأرض، فقد نشأت هذه الأكذوبة في ظل الاستعمار الصهيوني والانتداب البريطاني، حين سُخِّرت القوانين والسياسات لتسهيل الاستيلاء على الأراضي. فما زُعم أنه “بيع” لم يكن إلا عمليات نهبٍ منظمة؛ إذ استُغل فقر بعض الفلاحين، واستُخدمت وثائق مزوَّرة، وأُجبر أصحاب الأرض على التخلي عنها تحت وطأة الضغوط والتهديدات.
تشهد سجلات الأراضي العثمانية والبريطانية، ووثائق الأمم المتحدة، أن معظم الأراضي الفلسطينية سُلبت عبر القوانين الجائرة، كقانون “أراضي الدولة”، أو عبر عمليات الطرد والتهجير في النكبة. لقد هُدِّمت القرى، ونُهبت الممتلكات، وأُحرقت الوثائق، ليُقال بعدها إن الأرض “بيعت”، كأنَّ شعبًا يُقاتل من أجل وجوده يمكن أن يتاجر بكرامته.
إنّ هدف هذه الشائعة هو تبرير الاحتلال، وإلقاء اللوم على الضحية، وتشويه الرواية الفلسطينية في عيون العالم. لكنَّ الفلسطيني، كشجرة الزيتون التي تُقتلع فتعود تنبت، يقاوم هذا الزيف بحقيقته. إنَّه يروي حكاية أرضه في كل قصيدةٍ وأغنية، ويحمل مفاتيح بيته كعهدٍ بالعودة. فلسطين لم تُبع، بل سُلبت، وستبقى في قلب كلِّ فلسطيني وثيقةَ حقٍ لا تُمحى، وصرخةَ عدلٍ تدوِّي حتى يعود الحق إلى أهله.
إنَّ الشائعة، في يد الغاصب، ليست مجرَّد كذبةٍ عابرة، بل هي خنجرٌ مسموم يُطعن به قلب الحقيقة، وتُزوَّر به ذاكرة أمة. في فلسطين، حيث تُسكت الأصوات بالحديد، تُنسج الشائعات الصهيونية كشبكةٍ من الأكاذيب، تهدف إلى محو الفلسطيني من التاريخ وتصويره كغريبٍ في أرضه. وقد صُنعت أساطيرُ مُغرضة، تُصور الفلسطيني كـ”مخرِّبٍ” إرهابي لا يعرف سوى العنف، أو كشعبٍ “بلا تاريخ”، كأنَّ الأرض التي شهدت أناشيد الأجداد وصلواتهم لم تكن يومًا وطنًا. هذه الشائعات، كالسمِّ الذي يُدسُّ في العسل، تُحول صاحب الحق إلى متهم، وتُلبس الظالم ثوب الضحية.
تنتشر هذه الأكاذيب عبر أبواق الإعلام، حيث تُصنع الأفلام والتقارير لتُكرس صورةً مشوَّهة، وتُشيَّد المؤسسات الثقافية لتُروّج دعايةً تُنكر وجود شعبٍ عاش على هذه الأرض منذ فجر الزمن. من قاعات المتاحف إلى منصات التواصل، تُبثُّ هذه الشائعات كالريح السامة، تُعمي عيون العالم وتُشوش على صوت الحق. لقد زُعم أنَّ فلسطين كانت “أرضًا بلا شعب”، وأنَّ القرى التي هُدمت لم تكن سوى أطلالٍ مهجورة، فصارت هذه الأكاذيب سياطًا تُجلد بها ذاكرة الأمة.
وإن كان للشائعات أثرٌ على الرأي العام، فإنها تُثقل كاهل الفلسطيني بجرحٍ مضاعف، إذ يُضطرُّ للدفاع عن وجوده قبل قضيته. لكنَّ هذا الشعب، كالصخر الذي لا تُحطمه الأمواج، يقاوم الزيفَ بقلمه وصوته، يروي حكايته في قصيدةٍ وأغنية، ويُثبت أنَّ الشائعة، مهما امتدَّت خيوطها، لا تستطيع أن تُطفئ نور الحقيقة. ففلسطين، بترابها وذاكرتها، تبقى شاهدًا على كذب الغاصب، وصوتًا يصدح: نحن أهل الأرض، وستبقى حكايتنا.
لم تكن فلسطين يومًا أرضًا فحسب، بل كانت كتابًا مفتوحًا، سطّرت فيه الأجيال حكايات الصبر والصمود، وكتب فيه الغزاة أطماعهم بدماء الضحايا. فمنذ أن دبّت أقدام الاستعمار الصهيوني على ترابها المقدّس، بدأت حربٌ خفيّة، لا تُشهر فيها السيوف، بل الأقلام والروايات، تهدف إلى محو اسم فلسطين من ذاكرة التاريخ. لقد جاء الغرباء، يحملون خرائط مزيّفة، يُبدّلون يافا إلى “تل أبيب”، والخليل إلى “حبرون”، وكأنَّ الأرض بلا أهل، وكأنّ الحجر بلا لسان يروي حكايته. كانت تلك بداية تهويد الجغرافيا، ليس بتغيير الحدود فحسب، بل بسرقة الذاكرة، واستبدال أسماء القرى بأخرى غريبة، تُنكر صوت الأجداد.
ثم جاءت النكبة، سنةَ ثمانٍ وأربعين وتسعمائة وألف، كالسيل الجارف، فلم تكتفِ بطرد أهل الأرض من ديارهم، بل هدمت قراهم، وأحرقت مكتباتهم، ونهبت وثائقهم، لتُسكت صوت التاريخ. أكثر من أربعمائة قريةٍ صارت أثرًا بعد عين، وتحوَّل التراب الذي شهد أفراح الأعراس إلى مقابر للذكريات. وفي خضمّ هذا الخراب، نهضت مؤسسات الغاصب تُشيِّد روايةً مزوَّرة، تُنكر وجود شعبٍ عاش هنا منذ فجر التاريخ، وتُسوِّغ الاحتلال بأساطيرَ تُلبَس ثوب الحقيقة. لقد أُسِّست المتاحف والمدارس، لا لتعليم الحق، بل لزرع الباطل، فصارت الثقافة سلاحًا يُوجَّه إلى قلب الهوية الفلسطينية. لكن فلسطين، كشجرة الزيتون، تمتد جذورها في أعماق الأرض، فلا الريح تُزحزحها، ولا النار تُفنيها، بل تقاوم، وتُزهِر من جديد.
إنّ الثقافة، إذا كانت سيفًا في يد المقاوم، فهي أيضًا خنجرٌ في يد الغاصب، يُشهِره ليطعن قلب أمة، ويُمزِّق نسيج هويتها. في فلسطين، حيث يُسكت صوت الحق بالحديد والنار، تُشنّ حربٌ ثقافية بأدواتٍ ماكرة، تُحاك خيوطها في الخفاء، لكن آثارها تُدمي الذاكرة. أولى هذه الأدوات: الإعلام والسينما، تلك الشاشات التي تُحوِّل الفلسطيني من صاحب أرضٍ إلى ظلٍّ مخيف، يُصوَّر في أفلام الغرب وصحف المتآمرين كـ”مخرّب” لا يعرف سوى العنف، بينما تُزيَّن رواية الغاصب بألوان الحق المزيَّف. لقد صارت هذه الشاشات مرآةً كاذبة، تعكس صورةً مشوَّهة، تُعمي عيون العالم عن مأساة شعبٍ يُقاوم من أجل وجوده.
وإلى جانب الإعلام، يقف التعليم كسلاحٍ أشد فتكًا؛ إذ تُشيَّد المناهج في مدارس الغاصب لتُنكر تاريخ فلسطين، وتُحوِّل النكبة إلى مجرّد سطرٍ عابر، بينما يُحرَم الطفل الفلسطيني في الأراضي المحتلة من تعلُّم تراثه، وتُفرض عليه كتبٌ تُمجِّد المحتل. وفي ساحة الفنون والتراث، تُسرق الأزياء الفلسطينية، والتطريز الذي نسجته أيدي الأمهات، وتُقدَّم كجزء من ثقافةٍ أخرى، كأنّ الغاصب يستطيع أن ينتزع روح الأرض بمجرد ادعاء ملكيتها.
أمّا التكنولوجيا الرقمية، فهي سلاح العصر؛ إذ تُفرَض الرقابة على أصوات الفلسطينيين في منصات التواصل، وتُحذَف قصائدهم وصورهم، بينما تُروَّج روايات المحتل بأدوات الذكاء الصناعي، لتُغرِق الحقيقة في بحرٍ من الأكاذيب.
لكن فلسطين، كطائر الفينيق، لا تُسكتها الأسلحة؛ فمن كل صوتٍ مكبوتٍ تولد أغنية، ومن كل ذاكرةٍ محاصَرةٍ تنبت قصيدة.
الثقافة ليست رفاهيةَ الأمم فحسب، بل هي روحها النابضة، ودمها الذي يجري في عروق التاريخ، تحميه من الفناء وتُحييه بعد الممات. وفي قلب فلسطين، أرض المحشر والمنشر، تُخاض حربٌ لا تقل ضراوةً عن حروب السلاح؛ حربٌ ثقافية تهدف إلى اجتثاث جذور أمة، وطمس هويتها، وإعادة صياغة تاريخها بأقلام الغرباء. إنها حربٌ تُشنّ على اللغة والشعر، على التطريز والأغنية، على الحجر الذي يروي حكايات الأجداد، وعلى الذاكرة التي تقاوم النسيان.
فلسطين، بما هي رمزٌ ومعنى، تقف اليوم في وجه هذا الزحف الثقافي، تُشهِر قلم الشاعر وسِفْر التاريخ، وتُغنّي بصوت التراب المقدّس. فما الذي يعنيه أن تُحارَب أمة في ثقافتها؟ وكيف تُقاوِم شعبًا جعل من كل حجرٍ قصيدة، ومن كل شجرة زيتونٍ وثيقةَ وجود؟
والثقافة، بالأخص في فلسطين، ليست رفاهية، بل هي سيفُ المقاومة وسلاحُ الحياة، تُشهِرُه أمةٌ لم تركع للغاصب، ولم تُسلِّم ذاكرتها للنسيان. في وجه حربٍ تستهدف اجتثاث الهوية، نهض الفلسطينيون يحملون قلمَ الشاعر وصوتَ الأغنية، ليُثبتوا أن الأرض التي تُسقى بالدم لا تُمحى حكايتها.
ففي الأدب والشعر، تجلّت روح المقاومة، إذ كتب محمود درويش قصائدَ كأنها أناشيدُ الخلود، تحمل ريحَ الزيتون وصوتَ القدس، وروى غسان كنفاني حكاياتِ النكبة، فجعل من كل كلمةٍ وثيقةَ وجود. لقد صار الأدبُ سورًا يحمي الذاكرة، وقلمُ الكاتب رمحًا يطعن أكاذيب الغزاة.
وفي ساحة الفنون، ترسم الأيادي الفلسطينية لوحاتٍ تحكي أوجاعَ الشعب وأمله، وتُغنّي الحناجر ألحانَ الراب والطرب، فتحوِّل كل نغمةٍ إلى صرخةِ حرية. من غزة إلى رام الله، تنبض الموسيقى بروحِ الأرض، كأنّها دمٌ يجري في عروق الوطن. أمّا المهرجانات الثقافية، فهي ميادينُ الصمود، حيث تُقام فعالياتُ القدس ومهرجاناتُ الأدب، لتُعيد إحياء التراث، وتُذكّر العالم بأنّ فلسطين حيّةٌ في قلوب أبنائها.
وعلى امتداد الأرض، تنتشر الحركات العالمية، كحركة المقاطعة، ترفع صوتَ القضية، وتُعاون فنّانين وكتّابًا من كل أقطار الدنيا، لتنسج شبكةً من التضامن، تجعل الرواية الفلسطينية نورًا لا ينطفئ.
ففلسطين، كما هي شجرةٌ مغروسةٌ في التراب، هي أيضًا قصيدةٌ تُتلى في كل لسان، وأغنيةٌ تُردّدها الأجيال، تتحدّى المحو وتُعلن: نحن هنا، وسنبقى.
مع هذا المفهوم للمقاومة الثقافية، تصير الهوية الفلسطينية روحًا حيّةً، تتنفّس في صدر كلّ حجرٍ وشجرة، وتُغنّي بلسان كلّ طفلٍ وشيخ. في خضمّ الحرب الثقافية التي تُشنّ لاجتثاث هذه الهوية، صارت الثقافة جسرًا يربط الفلسطينيين، في الداخل والشتات، كأنّها خيطٌ من نورٍ يجمع القلوب المبعثرة.
لقد أحيت اللغة العربية، بقصائدها وحكاياتها، ذاكرةَ شعبٍ لم ينسَ أرضه، فصار التطريزُ على الثوب رمزًا للصمود، والأغنيةُ الشعبية وثيقةً للوجود.
في مخيمات اللجوء، وفي قرى الجليل والنقب، يتوارث الأبناء تراثَ الأجداد، ليُثبتوا أن الشتات لا يُفكّك أمةً جعلت من الثقافة قلعتها.
لكنّ هذه الحرب، بما تحمله من محوٍ وقمع، تركت جروحًا في النفس والمجتمع. إنَّ محاولات طمس الهوية تُولِّد شعورًا بالاغتراب، يُثقل كاهل الفرد، ويُمزِّق نسيج الأمل.
فكيف لشابٍّ يرى تراثه يُسرق، وتاريخه يُزوَّر، أن يحمل راية الحياة دون أن يُصارع أشباح اليأس؟
إنّ هذه التحديات النفسية، التي تُفرّق بين الجيل والجيل، تُلقي بظلالها على الروح الجماعية، لكنها لا تُطفئ جذوتها.
فالأجيال الشابة، رغم الحصار والمنع، تُحيي الثقافة بأدوات العصر؛ ينشرون قصائدهم على منصات التواصل، ويُبدعون أفلامًا تحكي روايتهم، ويُعيدون إحياء التراث بتعليمٍ غير رسميٍّ يتحدّى المناهج المفروضة.
إنّ هؤلاء الشباب، كأشجار الزيتون التي تُقتلع فتنبت من جديد، يحملون مشعل الهوية، يُضيئون به ظلام المحو، ويُعلِنون للعالم أنّ فلسطين ليست أرضًا فحسب، بل هي ذاكرةٌ لا تُمحى، وهويّةٌ لا تموت.








