العلوم الإنسانيَّة، بين الأهمية والتجاهل.

لماذا نتجاهل العلوم الإنسانية في مجتمعاتنا؟

“إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ”.أَستهلُّ بهذه الآية من منطلق كون العلوم الإنسانية بالنسبة للعلوم الطبيعية مثل التغيير في النفوس بالنسبة لتغيير المجتمعات.

إن العلوم الإنسانية تُمثل العتبة الأُولى لبقية العلوم، ونحن أمام عصر حديث مزدحم الرؤى والغايات، ومتعدد التوجهات، وأصبح الفرد الواحد فيه يعيش أكثر من حُلم، ويسير في أكثر من اتجاه؛ مما يجعل للعلوم الإنسانية، في مجتمعٍ كمجتمعنا العربي الذي يحاول الخروج من أزمات هُوِيَّاتيَّة ومادية كثيرة، أهميةً بالغة؛ لأنه لا يمكن الخروج من أزمة عامة بمجرد الخروج من الأزمة المادية، فالأزمة ستظل في الهُوِية، وفي الدِّين، وفي العلاقات المجتمعية، وفي الجغرافيا، وغيرها من الأزمات التي لن تحلها محاولة القفز وتجاوُز هذه الأزمات إلى الحل المادي والتطور الصناعي المعاصر وحسب، فلن نلبث أن نعود للوراء لننبش ذات الأزمات التي نُخلِّفها وراءنا.ولكن قبل أن نقول: “لماذا نتجاهل العلوم الإنسانية؟”، علينا أولًا أن نجيب عن سؤال منطقي: هل نتجاهل العلوم الإنسانية؟

قبل الإجابة عن هذا السؤال أيضًا، سنستعرض بعض مواقف النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع المجتمع المتفكك عند مجيء عقيدة جديدة إليهم، أو لنقُل: كيف تَعامَل مع مجتمع متفكك/ الأوس والخزرج، في لحظةٍ كان يريد أن يصنع بهم دولة، بالمعنى الحديث إن جازت التسمية، فنحن هنا أمام أنموذج يتضمن كل مراحل الحضارة في وقت قصير وبصورة واضحة.إن أكبر إشكال أمام قيام أي حضارة هو التفكك المجتمعي، وهذا ما واجهه رسول الله عند مَقدمِه إلى المدينة، واستغل هذا الإشكال لتحويله إلى ميزة تساعدهم على الخروج من إشكالهم.كان أول ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم عند دخوله المدينة هو بناء المسجد، وهكذا يكون قد أخرج القبيلتين من حدود عَدَائهما إلى مساحةٍ واحدة يختلط فيها الكل وتتساوى فيها المقامات.

إذن، كان أول عملٍ له في المدينة هو حل اجتماعي بين الأوس والخزرج، وإن كان المسجد في الأصل موضعًا للصلاة.ثم يليه إجراء المؤاخاة، وهذا حل اجتماعي بين فئة وافدة جديدة غير مستقرة بعدُ تتمثل بالمهاجرين، وبين السكان الأصليين وهم الأنصار.

ثم إجراء ثالث يتمثل بالوثيقة بين المسلمين واليهود في المدينة. وهكذا أصبحت هناك ثلاثة حلول اجتماعية لثلاثة إشكالات اجتماعية كانت تُواجه دعوته في المدينة، ولم يبدأ الدعوة أو السياسة قبل أن يصحح الوضع الاجتماعي.

إننا هنا أمام حلول جديدة لم يكن ذلك المجتمع قد ألِفها كثيرًا، وهذا الاختلاف المبتكَر في الحلول كان مما يعزِّز لديهم مبدأ تقبُّل المتغيرات الجديدة بأسرع وقت، وبالتالي استيعاب ما هم إزاءه من عبء حضاري سيحملونه إلى الصين شرقًا، وإلى الأندلس غربًا.

هذا من الجانب الاجتماعي، فإذا نظرنا للمسجد من جانب آخر فإنه وسيلة اتصال ووسيلة إعلامية داخلية ناجحة تمامًا، أما الإعلام الخارجي فيمكننا التماسه في حدث مهم ومحوري في مسار الإعلام النبوي، إن جاز لي اصطلاح ذلك.

ففي غزوة أُحد انهزم المسلمون، وهذه الهزيمة بدورها ستُجرِّئ القبائل العربية على تلك الدولة الناشئة (المدينة)، وكان لزامًا- لوأدِ هذه التصورات- من عمليةٍ إعلامية تعيد الاعتبار وتَكسِر هذه التصورات لدى القبائل العربية، ولدى قريش على وجه الخصوص، فلم يصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة حتى أَزمَع الخروج إلى حمراء الأسد لملاقاة قريش مرة أخرى، وبذات الرجال الذين شاركوا بالأمس في أُحد، وإن كانوا جرحى إثر الحرب الأولى، وفي حمراء الأسد يعسكر ويُوعِز للشاعر مَعبَد الخُزَاعي- الذي مر بهم- أن يُخذِّل قريشًا حتى لا تعود لمحاربتهم.يخرج لملاقاة قريش، ولا يريدهم أن يلاقوه!هكذا كان رسول الله حريصًا على انتزاع المهابة الإعلامية بأقل الخسائر: يخرج بجندٍ جَرحى، إثر هزيمة، ثم يرسل مَن يُخذِّل قريشًا عن العودة…!

الأهم أن تَعْلم العربُ أنه ما زال قادرًا على الخروج للقتال، ولتعلم أن أولئك الرجال الجرحى لم يكونوا قد ضَعُفوا بسبب تلك الهزيمة أو انفضُّوا عن رسول الله؛ ولهذا خرج بنفس الرجال الذين كانوا قد خرجوا معه دون سواهم، إضافةً إلى الجانب التربوي للصحابة في هذا الاختيار.

وأما الآداب فقد جعل الشريعةَ كلها تؤيدها: «اهْجُهم ورُوحُ القدُس معكَ”، وأما التاريخ فالقرآن مليء بقَصص الأمم قبلهم، وقصص الحضارات، وأسباب سقوطها، والتمكين بعد الضعف، وأما الروح وغذاؤها فهذا غنيٌّ عن التبيين، فالقرآن كان روحًا تَسْري في دماء الصحابة.

يقف المؤرخ أرنولد توينبي مشدوهًا أمام اختلاف التشييد الأول عند رسول الله عن باقي الحضارات التي نشأت قبلًا وبعدًا، فيستغرب من استخدام رسول الله للسياسة في مرحلة مبكرة، بينما يرى هو أن السياسة مرحلة متأخرة تتأتى بعد أجيال من البناء الروحي للمجتمع، وأنَّ تدخُّل السياسة في بداية أي حضارة هي معوِّق لقيام هذه الحضارة، وبالتالي فإنه يستثني الحضارة الإسلامية من هذا التنظير الذي أطلقه.وهذا يعود بنا إلى النظر مجددًا إلى التغييرات النفسية والاجتماعية التي أحدثها القرآن وتَعامَل بها النبي صلى الله عليه وسلم في المجتمع المسلم، حتى جعلهم قادرين على ذلك الانتقال السريع الذي جعل أرنولد توينبي يستثني الحضارة الإسلامية من نظريته.

إننا هنا نتحدث عن عصرٍ لم يكن يعتمد الملاحظةَ والتدوين، بل كان يعتمد السَّليقة والارتجال في كل شؤونه، وما استعرضناه من المواقف النبوية، وإن لم تكن من العلوم الإنسانية النظرية، لكنها كانت تُعبر عن أعمق تطبيق لها بمستوياتها كافة؛ تطبيق تؤيده الشريعة الربانية، لكننا اليوم في زمن الملاحظة والتدوين، وفي زمنٍ اتسع فيه المجتمع اتساعًا يجلُّ عن الحصر، وأصبح جامحَ الإرادة، ومُشتِّت الرؤية، ولكن التشابه بين الواقعينِ يكاد يتشابه كما تتشابه كلُّ البدايات؛ حُلم الحضارة في مجتمع متفكك، لكنْ لاختلاف المجتمع اليوم عن الأمس أصبح لا ينفع فيه ممارسة الحلول التطبيقية ارتجالًا دون دراسة تنظيرية قبلها تشمل كل عيِّنات المجتمع.وبالعودة إلى السؤال: هل نتجاهل العلوم الإنسانية في مجتمعاتنا؟!

الإجابة عن هذا السؤال تختلف باختلاف نوع الاهتمام بهذه العلوم، فإذا كان هناك تجاهُل لبعض علوم الفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع، فإن هناك شغفًا كبيرًا للمجتمع بالأدب والتاريخ والدين عمومًا.لكننا نعود لنسأل عن ماهية هذا الشغف، سنجد أن تعاطي المجتمع مع الأدب مثلًا هو تَعاطٍ جمالي، لا يتجه عموديًّا بتوجيه بَوْصَلة حضارية نحو غاية معيَّنة، وإنما هو انعكاس لعاطفة اجتماعية آنية، وبالتالي فإننا من منطق أي رؤية غائية سنقول إن هذا المجتمع يُهمل الأدب بحُكم عدم سَيره وَفق غاية موجَّهة.

ومثله التاريخ الذي ظلت تُجمَع رواياته، لا وَفق غاية استدراك أسباب الصعود وأسباب السقوط، ولكن وَفق جمعِ الأحداث بصورة قصصية، أي بصورة تميل إلى الأدب التاريخي، حتى أتى ابن خلدون في مقدمته القيِّمة فحاول أن يتعاطى مع التاريخ من زاوية تجعل من التاريخ وثيقة قيِّمة لتبصير المجتمعات، وساهَم بتحول جذري للتأليف العالمي في التاريخ، وظهور ما يسمى بعلم الاجتماع.

يحرص المفكر العربي الكبير مالك بن نَبِي على ترتيب التغيير، وينظر بأولوية للعلوم الإنسانية قبل أي تغييرات مادية، فهو حتى الممارسة السياسية أو ما يسميها بمرحلة “العقل”، يؤخرها عن المعالجات الاجتماعية والتي يسميها مرحلة “الروح”، وكأنه بهذا الترتيب يتفق ضمنيًّا مع مبدأ المؤرخ أرنولد توينبي، فيقول: «إن العلماء الجزائريين كانوا أقرب إلى الصواب من السياسيين، حين دعوا إلى الإصلاح، بمعنى دفع النفس الإنسانية إلى حظيرة الإيمان من جديد».

وهو هنا لا يقول ذلك معارَضةً للسياسة، وإنما ترتيبًا للمراحل وَفق ما تقتضيه سيكولوجية المجتمعات ومراحل بنائها، وهو أيضًا لا يقول ذلك تخندقًا وراء الفكرة الإيمانية، فهو أيضًا ينتقد هذه التوجهات التي تنظر للحياة بكلِّيتها من نافذة واحدة، وهذا هو الفارق بين أن نقول إن هناك تجاهلًا للعلوم الإنسانية بسبب وجودٍ غير موجَّه لها، وبين وجودها الفعلي عندما تكون موجَّهة وَفق مقتضى أطوار نشأة الحضارات.

إن أهميةً مهمة للعلوم الإنسانية، في حالِ تم استيعابها بشكلٍ متقدم، تكمن في قدرة بعض الفئات على تغيير معطيات المجتمع، فالمجتمع ينطلق في أحكامه على الأفكار والظواهر من خلال معطيات ثابتة لديه مسبقًا، والعلوم الإنسانية عند استيعابها لتفاصيل هذه القاعدة التي ينطلق منها مجتمعٌ ما، يكون باستطاعتها بصورة دقيقة تغيير المعطيات، ومِن ثَم تصل إلى غايتها من خلال المجتمع ذاته دون صِدام معه ربما، وهذا ما فعله الكثير من القادة الأوروبيين الذين برزوا في القرون الأخيرة، سواء بشكلٍ إيجابي بالنسبة لمجتمعاتهم أو بشكلٍ سلبي، مثل موقف هتلر من روسيا؛ فقد شرع باستجلاب كل المواقف التاريخية التي تتصادم فيها الحضارتان: الألمانية والروسية، ليُعممها في ثقافة المجتمع، وعندما اضطر أن يقيم تعاهدًا بينه وبين ستالين قُبيل غزوِه لفرنسا فعلَ العكس، فاستدعى كل ما يمكن أن يوثِّق العلاقة بين البلدين، ثم يعود لما كان عليه بعد نقض التعاهد بينهما، وهو بذلك لا يوظف التاريخ وحده وسيلةً لغايته، بل يعزز ذلك بتضافر بين التاريخ والإعلام والأسلوب الديني والسوسيولوجيا.

ونحن هنا لسنا في صدد الحديث عن التوظيف السلبي أو الإيجابي للعلوم الإنسانية واستخداماتها، وإنما في مناقشة أثرها، فإن لم يكن لتوجيهها إلى طريق إيجابي، فلأجل القدرة على الدفاع من أي تغيير تفرضه الثقافات المتغلبة على الثقافات المغلوبة.إن كتبًا في العلوم الإنسانية مثل كتاب “سيكولوجية الجماهير” لغوستاف لوبون في دراسة طبائع الجماهير وكيفيات توجيهها، أو كتاب “الأمير” لنيقولا مكيافيلي في السياسة، لم تكن لتمر مرور الكرام على المجتمع الأوروبي حينها، بل أحدثت تغييرًا هائلًا؛ إذ اتكأ عليها قادةٌ كبار مثل نابليون وهتلر وموسوليني وغيرهم في التأثير على مجتمعاتهم- وأحيانًا مجتمعات أخرى- بصورة تدعو للدهشة.- لماذا إذن نتجاهل العلوم الإنسانية في مجتمعاتنا؟!

إن هذا السؤال أحرى به أن يكون احتجاجيًّا أكثر مما هو سؤال يتطلب إجابة.إن عدم التوجيه الجَمعي للعلوم الإنسانية جعلها فردية الاهتمام، فهي مجالات شحيحة في سوق العمل كما ينظر لها المجتمع، بالتالي فإنها علوم ثانوية، يُمارَس منها بقدر ما يشعر المجتمع معها بسد عاطفةٍ ما.إن التصور المادي لهذه العلوم هو ما جعلها ثانوية، وأخَّرها درجة عن رتبتها، إضافةً إلى النظر للمجالات من حيث التأثيرات المباشرة، ولأن العلوم الإنسانية لم تكن مباشِرة الأثر، فقد خفيت عن أنظار الاهتمام لدى مجتمعاتنا التي تفتقر كثيرًا للتوجيه التنظيري لخارطة العلوم كافة.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك...