دراسة ” حقيقة التراث، وعلاقته بالعمارة والعمران”

الجزء الأول: معنى ومفهوم التراث.

إنه يجب علينا تجديد النظر في كثير من المفاهيم المنثورة حولنا و من أهمها و أخطرها مفهوم التراث. إننا – كشعوب إسلامية وعربية – نعاني من تخبط و تيه فكري و حياتي، من أخطر علاماته التبعية الثقافية الفجة للغرب والانهزام الشديد أمامه وتبني معظم أفكاره وتقليد أعماله و منها العمارة بشكل أيضًا ببغائي بالرغم من تعارضها في معظم الأحوال مع مع ديننا و قيمنا و ذلك من علامات خلل علاقتنا بالتراث.

يقول الدكتور طه عبد الرحمن الفيلسوف المغربي منتقدًا حال المسلمين و العرب: “والتيه في الفكر كالتيه في الأرض؛ إذ لا أهداف يعلمها التائه يقينًا حتَّى يتّجه إليها؛ ولا وسائل يملكها حقًّا حتى توصِّله إلى هذه الأهداف؛ والتِّيه الفكري الذي أصابنا ينطق به حال الشتات الذي يوجد فيه أهل الفكر بين أظهرنا؛ وهذا الشتات ألوان شتّى: شتات في المكان؛ فلا رواق يُظلّهم، ولا مجلس يضمّهم، ولا ملتقى يشملهم، ولا دار ندوة تؤويهم. وشتات في الزمان؛ فلا حضور في عالم القرار لأفكارهم، ولا أثر في أفق المستقبل لمواقفهم، ولا تحاور بين أفراد الجيل الواحد منهم، ولا تخاطب بين مختلف أجيالهم. وشتات في الأفكار؛ وهو أسوأ ألوان الشتات؛ فهذا واقع تحت طائلة التقليد، داعياً إلى الترديد والانكماش؛ وذاك واقع تحت طائلة التنميط، داعيا إلى التكيُّف والاندماج؛ وهذا يتشبّث بكل قديم خوفًا على فقدان الهوية؛ وذاك يتقلّب مع كل جديد، طمعا في التحقّق بالغيرية؛ وهذا كل يوم في إشْكال، فتارة يندمج وتارة ينكمش، وتارة بين بين، وذاك لا إشكال عنده، يفكّر لساعته لا يعدوها؛ لكن على تباينهم درج كلُّ واحد منهم على أن يفكّر مذكيا لنفسه، وهيهات أن يفكّر معترضا عليها! والحق أنه لو اشتغل بالاعتراض على نفسه، لأدرك أنه في تيهٍ عظيم، ولا سبيل للخروج منه إلا بالاهتداء إلى الأهداف الصالحة والوسائل النافذة”

دعونا نطرح سؤال: لماذا تقفز قضية التراث للسطح و تفرض نفسها على أي عملية تفكير تتعلق بالإسلام و بالعمارة على حد سواء؟ ما هو معنى التراث و سره؟

جاء في لسان العرب: “[…] وأَوْرَثَ الرجلُ وَلَدَهُ مَالًا إِيراثًا حَسَنًا. وَيُقَالُ: وَرِثْتُ فُلَانًا مَالًا أَرِثُه وِرْثاً وَوَرْثاً إِذا ماتَ مُوَرِّثُكَ، فَصَارَ مِيرَاثُهُ لَكَ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِخباراً عَنْ زَكَرِيَّا وَدُعَائِهِ إِيّاه: فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ؛ أَي يَبْقَى بَعْدِي فَيَصِيرُ لَهُ مِيرَاثِي؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: إِنما أَراد يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ النُّبُوَّةَ […]

إن التراث عند طه عبد الرحمن هو: “عبارة عن جملة المضامين والوسائل الخطابية والسلوكية التي تحدِّد الوجود الإنتاجي للمسلم العربي في أخذه بمجموعة مخصوصة من القيم القومية والإنسانية حيّة كانت أم ميتة”.

وأنا أدعي أن التراث ببساطة هو الذاكرة الحاملة أو الوعاء الحامل أو – أسلوب – حياة أمة ما “المضامين والوسائل الخطابية والسلوكية ” و العملية ” أيضاً التي تحدد وجودها وعلى ذلك فالتراث – عادة يقصد به المعنى الإيجابي – قد يتضمن على ما هو صائب راشد و ما هو ضال مضل. لكن وكما يقول الدكتور طه عبد الرحمن: “فنحن في التراث كما نحن في العالم لا اختيار لنا معه ولا انفصال عنه” و الحكمة الشعبية المصرية تقول: “إللي ما لوش قديم..ما لوش جديد” أو “من فات قديمه تاه”. إن في ما أحدثته الحداثة في حياتنا من تشويه جراء نبذها المتعمد للتراث و إنقطاعها عن وإحتقارها للتقاليد لعبرة دامغة لمن ينكر حتمية الأخذ بالتراث و يريد إعادة إنتاج عجلة الحداثة الغربية و أخطائها.

إن الرؤية الإسلامية تستوعب الموروث تماماً بل وتستند اليه وذلك لسبب مفصلى فى غاية الأهمية وهو أن الموروث الصالح هوالجسد المعرفى والفنى المرتكزعلى العقل/ الوجدان والوحى فالعبرة فى المعرفة ليس بكم المعارف بل فى المعانى الصادقة (الأصيلة) الرامية إلى الحقيقة التى تؤدى إلى العمل الصالح (ومن علامات العمل الصالح العمران الصالح). وقد قال رسول الله ﷺ: ” تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه“. و قال ﷺ : “خيرأمتى قرنى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم” وقال أيضاً ﷺ ” أنا مدينة العلم

إننا إننا إذ نشرع في الحديث عن التراث لابد و أن نتطرق للحديث عن الأصول ثم ونحن بصدد الحديث عن “الأصول” بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى قد حددنا و اخترنا و استندنا بالفعل إلى الأصول التي نعترف بها و التي نود “الرجوع” إليها. لقد حددنا منهجنا في التفكير و ذلك هو التمسك بالأصول التي نؤمن بها و بذلك قد اخترنا أن نكون أصوليين!

ولكن لماذا نهتم بالأصول و نتكلم عنها؟ ما هو معني كلمة أصل و جمعها أصول على أية حال؟ إن معنى كلمة “أصل” في اللغة العربية هو ببساطة شديدة: “ما ثبت حكمه بنفسه و لم يبن على غيره” ثم أنه أيضاً “ما ينبني عليه غيره”.

يقول كريم اللحام ، Muhammad Shahrur’s ‘Cargo Cult’: A meditation on his underlying conceptual framework : “إنه من قناعاتنا أن كل مفكر وكاتب هو وارث لسلسلة من الأفكار أو النظام الفكرى الذى يجليه بالضرورة فى كتاباته بوعى منه أو بدون وعى. لا يوجد هناك…… فكرة يتيمة أو فكرة بدون أصل مفاهيمى conceptual genealogy. هذا يعنى أن نبل وصحة أى فكرة يعتمد بقوة على سُلالة أصلها أوسلسلتها”.

ويقول الدكتور طه عبد الرحمن ، حوارات من أجل المستقبل: “لا نظن أن الاهتمام بالتراث هو اهتمام بماض لا فائدة من ورائه, حتى نخشى على أنفسنا الاستغراق فيه بالقدر الذي يحجبنا عن الاهتمام بالحاضر, فلو فرضنا أن أحدا ترك الاهتمام بتراثه الأصلي, فلا يلزم من ذلك أنه يصير إلى الانقطاع عن كل تراث, بل يلزم منه, على العكس من ذلك, أنه سيتجه إلى الاهتمام بتراث غيره, لافتقاره إلى مستند لذاته, فمثلا الذي يدعو باسم “الحداثة” إلى الكف عن الرجوع إلى التراث، وإلى الأخذ بالمعرفة الحديثة كما جاء بها الغرب، فإن دعوته لا تعدو كونها تستبدل مكان الانشغال بالتراث الأصلي، الانشغال بتراث أجنبي ذلك أن المعرفة الحديثة كما هو معلوم تجد سندها فى التراث الغربى وتبقى حاملة لسماته وآثاره ولو نسب إليها ما نسب من “الموضوعية” و”العلمية” و”العقلانية” لأن هذه المعايير نفسها ليست إلا قيماً أنتجها هذا التراث الأجنبى وليس لها من “الشمولية” أو “الكونية” إلا ما لهذا التراث نفسه” .

و على ذلك فإن العقل المجرد – من الشرع كما يسميه الدكتور طه عبد الرحمن – و ما يخدمه من من حواس يبني على غيره لذلك هو لا يصلح لأن يكون أصلاً. و لكن الوحي الإلهي الذي نؤمن به كمسلمين هو الذي ينطبق عليه تعريف الأصل لغة و على ذلك فالأصل في الإسلام هو الوحي الإلهي في صورة كتاب الله المنزل – كلام الله – و سنة نبيه ﷺ. إذاً فالكتاب الذي هو قبس من علم الله يعرف الإنسان السبب و الغاية من وجوده و حقيقته و كيفية العمل لتحقيق تلك الغاية. يقول الله تبارك و تعالى: ظَهَرَ ٱلۡفَسَادُ فِی ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ بِمَا كَسَبَتۡ أَیۡدِی ٱلنَّاسِ لِیُذِیقَهُم بَعۡضَ ٱلَّذِی عَمِلُوا۟ لَعَلَّهُمۡ یَرۡجِعُونَ [الروم: 41]

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك...