حكايات إفريقيَّة

إفريقيا البلد، حكايات عن بعض منتخبات الكان.

الجزء الأول: جنوب إفريقيا – قلب مانديلا النابض.

بعد سقوط نظام الفصل العنصــري في جنوب إفريقيا وصاروا “بلدًا حقيقيًا” أجريت فيه انتخبات برلمانية فاز فيها السود لأول مرة، أنشأوا منتخب كرة قدمٍ حقيقي يعبر عن الدولة ككل دون أي فصل.

لم يكن لهذا المنتخب أي خبرة دولية، لكن الفرصة جاءتهم حين اعتذرت كينيا عن عدم استضافة كأس الأمم الإفريقية المقررة في 1996م، وبتدخل من الزعيم نيلسون مانديلا تحصلت جنوب إفريقيا على حق الاستضافة.

بدأت الدولة في إعداد المنتخب الوليد، مباريات وديَّة، مدرب محلي قدير، لاعبون يشعرون بالانتماء الوطني. كل الدوافع قوية رغم عدم امتلاكهم الخبرة الكافية.

قبل المباراة الأولى من البطولة، لم يكن اللاعبون واثقين من الفوز، سيواجهون أحد المنتخبات المرشحة للبطولة (منتخب الكاميرون)، وفرصة فوزهم شبه مستحيلة. وتلك المرة الأولى التي يشاركون فيها في كأس الأمم، إذ منعوا من المشاركة لسنين طويلة وفوق أرضهم. حاول اللاعبون التماسك قبل أن يتفاجأوا بالزعيم مانديلا بنفسه واقفًا أمامهم. قال اللاعب لوكاس راديبي يصف ذلك اللقاء: “لو كنا قد قابلنا البرازيل بعدها، لفزنا عليهم … كنا نلعب من أجل مانديلا وجنوب إفريقيا”

باليوم التالي، كان هتاف الجماهير يرج الملعب داخله وخارجه، وصوت مانديلا في قلوبهم. ونزل اللاعبون الملعب ليفوزوا على منتخب الكاميرون بثلاثة أهداف دون مقابل.

لم تكن تلك الزيارة، هي آخر زيارة من الزعيم مانديلا للاعبين، بل كان يجلس معهم مرة على الأقل قبل كل مباراة. كانت بطولة للدولة الجديدة كلها لا اللاعبين وحدهم، مما جعلهم يبذلون قصارى جهدهم خاصة إذ يرون مانديلا أمامهم، قال شون بارتيلت لاعب المنتخب:

“حتى الآن ، مجرد الحديث عن الرجل العظيم مانديلا يصيبني بشيءٍ من المهابة… في كل مرة نلتقي به ونصافحه، كان الأمر كما لو أننا نمتن إليه بشيء.”

لذا لم يكن غريبًا أن يفوزوا بالمباراة تلو الأخرى حتى وصلوا للنهائي في مواجهة منتخب تونس.

أمام ثمانين ألف مشاهد في جوهانسبرج، وفي حضور الزعيم مانديلا بابتسامته المشهورة في المدرجات. نزل اللاعبون أرض الملعب بقمصانهم البيضاء المخططة بخطوط متدخلة من الأسود والأصفر، كان القميص نفسه يحمل رسالة للعالم الذي جلس أمام التلفاز يشاهدهم.

شوط أول مغلق، ولعب حذر مع بعض مهابة الموقف. ونزل اللاعبون في الشوط الثاني بروحٍ جديدة متذكرين كلمات مانديلا. وأحرز البديل مارك وليامز هدفي الفوز، لتصلهم الصرخات وبكاء الفرحة من خارج الملعب قبل داخله. ليعلنوا جنوب إفريقيا الجديدة المتغلبة على نظام الفصل العنصري.

قال لوكاس راديبي يصف ذلك الفوز:

“في كل أنحاء الدولة، أرجل الجميع كانت طائرة فوق الأرض”

تبدو قصة جميلة، صحيح؟ لكن فوزهم بالبطولة لم يكن هو ما توقفت عنده، بل تلك الجملة التي قالها شون بارتليت عن المرات التي قابلوا فيها نيلسون مانيدلا قبل المباريات، قال:

“كان عليك أن تستيقظ في الرابعة والنصف صباحًا، لأنه (نيلسون مانديلا) كان لا يزال معتادًا على ذلك منذ أن كان في السجن. يستيقظ مبكرا ويذهب ليتمشى. لذا كان علينا أن نستيقظ لمقابلته في الخامسة.”

وأقول: وربما يمتد بنا الزمان، لنرى تصريحًا لأحد لاعبي منتخب الفدائيين، إذ يقابلون الضيف – بعد سنين الحرب – وقد اعتاد الاستيقاظ مبكرًا، أو أن يقابل اللاعبين في نفقٍ تحت الأرض.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك...