مثقفون بلا قهوة وفيروز

السرعة حائل بين الإنسان وذاته، لا تسمح له بالتعمّق في جوهر الأشياء. تحوّله لمجرد زائر عابر على الأحداث والمعلومات، حتّى صار من سحر التكرار لا يحتاج إلّا لذلك. الجوهر لا يشبع حاجاته، بل تشبعها المحتويات السطحية السريعة. ومع التنوع اللا نهائي للاختيارات والمشتتات أصبح الشعور بالملل أسرع من الشعور بالاكتفاء. يتنقّل الإنسان بشراهة من اختيار لآخر آخذًا من الأشياء دهشتها الأولى. بات العالم ساحة عرض شاسعة مليئة بالمهرّجين وصانعي المحتوى، والإنسان جالس على أريكته يشاهد مقابل إنفاق الوقت، وكل من لا يمتلك إلّا الوقت يمكنه المشاهدة.

وسط ذلك المناخ المليء بالخيارات اللا نهائية وبالتالي تعدد الاهتمامات والتفضيلات الشخصية والآراء والمعتقدات، وُلِدَ مثقف جديد. مبتسم في وجه الجميع، يحترم الآراء المختلفة بالطبع، يتعامل مع كل مَن يقابلهم بلطف، آخذًا في الاعتبار عدم إيذاء مشاعرهم، يضحك على جميع النكات حتّى السخيفة منها، وتتسع عيناه دهشةً إن كانت تهاجم الثوابت. يراقب كل كلمة قبل أن تخرج من فمه بخشية أن تكون مؤذية، ولا يتسائل إن كانت على حق أم لا، فما يهم أولًا وأخيرًا هي المشاعر الإنسانية.   

في بداية الأمر يكتشف ذلك المثقف الجديد لأول مرة مفهومًا مثيرًا: كل شيء يمكن الاستغناء عنه أو تغييره. “يكتشف” ذلك المفهوم وكأنه لم يكن متواجدًا من قبل.

متعة “كسر التابوه” عمومًا، سواءً كان دينيًا أو مجتمعيًا متصلًا بالعادات والتقاليت، فيبحث انطلاقًا من ذلك المنظور على كل ما هو مخالف للسائد ومثير للجدل. وتجذبه عناوين الكتب والمقالات والمرئيات التي تحتوي على دلالات مثل: كسر القيود، تحطيم الأصنام، كشف الحقائق، محاولة فهم، تنوير.. إلخ.. وكأن العالم كان غارقًا في الجهل منتظرًا بداية وعيه ليكشف الحقائق التي دُفنت تحت غبار العادات والتقاليد المضللة. وبالطبع يكتسب مفردات رنّانة جديدة يتحدث بها مع أصدقائة المثقفين. 

يبدأ في ارتياد التجمعات الثقافية، الندوات وحفلات التوقيع التي هي في الأساس (باتت مجرّد نشاطات تسويقيّة لسلعةٍ ما بغض النظر عن أهميتها) ويجمع توقيعات الكتّاب من هنا وهناك على كتبه الجديدة التي لن يقرأها قبل أن يتم تصويرها أولًا بجانب مشروبه المفضّل. وهو أول من يجذب الأنظار لأشياء وممارسات ذات قيمة – مكتشفة حديثًا بالنسبة له – ويتحدث عنها بمبالغة شديدة حتّى يفرغها من محتواها، مثل بعض الكتب والأغاني والمشروبات الشهيرة، حتى صارت نمطًا شائعًا ينجذب إليها المثقفين الجدد وينفر منها الكثير. تلك الطريقة للاستمتاع بالأشياء ليست من ابتداع شخص، بل هي نتاج ثقافة عصر جديد.

في حقيقة الأمر ذلك المثقف مجرد ضحيّة أخرى من ضحايا أمراض العصر الحديث، الدافع الرئيس لسعية ليس البحث عن المعرفة بقدر البحث عن الشعور بالانتماء إلى جماعة، في زمن يعاد فيه تعريف الانتماء نفسه ويتم تفكيك جميع الروابط البشرية. كما غدت المبادئ والقيم عبارة عن مصطلحات فضفاضة طيّعة في يد الجميع وتصلح لاستخدامات عِدّة حسب السياق.

يخلط مجتمع المثقفين الجدد مفاهيم مختلفة ليست بالضرورة ذات علاقة ببعضها بعضًا، ويخلق صورة نمطيّة عمّا يجب أن يكونه المثقف: شخص يقرأ كثيرًا ويحسب مقدار قراءاته سنويًا، بالغة الحساسية والتعاطف، منفتح على جميع الممارسات والأفكار، يقدّس العقل (من وجهة نظره)، ويحترم حقوق المرأة بالطبع -وكأنها في انتظار احترامه لها-، يستخدم مفردات ومصطلحات غير شائعة، وفي الغالب، لديه مظهر مختلف؛ رغم طبيعة أحقية الجميع في اختيار مظهرهم وهي حقيقة لا تتطلب إثبات، إلا أن البعض يصر على إثباتها.

تلك الصورة النمطيّة كوّنت مفهومًا خاطئًا عمَّا يجب أن يكونه المثقف، وجعلت هناك شكلًا لمن لا شكل له؛ فالمثقف شخص يشبه الجميع، لا يميزه سوى أفكاره وتأثيره على من حوله.

من هو المثقف وما المقصود بالثقافة؟

الثقافة بمعناها الأشمل هي الممارسات المشتركة بين مجموعة من البشر تنتج رباطًا وثيقًا بينهم يساعدهم على الشعور بالإنتماء والثقة. كل ما نراه في حياتنا اليومية من ممارسات معتادة مع بعضنا بعضًا هي ثقافة: اللغة التي نتحدث بها، أكلاتنا الشعبية، أزياءنا، الكتب التي نقرأها، الأغاني الشائعة وكافة أنواع الفنون، والمواضيع العامة التي تشغلنا وطريقة تفاعلنا معها، كل تلك الممارسات هي ثقافة مجموعة ما من البشر. الإنسان المثقف هو مَن يستطيع قراءة ونقد وتحليل تلك الممارسات لإنتاج أفكار جديدة تساهم في تحسين وتطوير مجتمعه. المثقف هو الإنسان المهموم بقضايا عصره، ينطلق منها بحثًا عن حلول لحياة أفضل، منزهًا عن أي أغراض شخصية، فلا يتحدث بلغة النُخَب، بل يتحدث بلغة شعبه. تعاطفه نابع في المقام الأوّل من تفهّمه لطبيعة البشر وليس تقرّبًا إليهم بغرض الحصول على التعاطف والدعم. لديه مبادئ ثايته تتحكم في توجهاته، يتقبل جميع الاختلافات والآراء ولا يسعى لإيذاء المساعر الإنسانية بالطبع، ولكن في الوقت نفسه يرفض المثول لما هو مخالف لعقيدته وأسس هويته تحت أي ظرف.

لا يهم إن كان يشرب القهوة ويستمع إلى فيروز ويصور الكتب الجديدة التي لم يقرأها بعد ويختار المظهر المناسب له، كل ما يفعله من ممارسات تساعده على الشعور بقيمته هي ممارسات هامة، ولكن نتاجه الفكري وكيفية قراءته ومعالجته لما يحدث حوله هما ما يحددان قيمته الحقيقية.  

كيف نحصل على المعرفة؟

في كل عصر هناك صفة تميّز الإنسان الفاعل، وتجعله مؤثرًا في جماعته. في العصور الأولى كانت الصفة الأهم هي القوة العضلية؛ القدرة على الصيد والحماية من المخاطر، تغيّر الزمن وتغيّرت معه متطلبات الحياة، ليصبح العقل هو صاحب الامتياز الأوّل، وما يميّز المرأ هو ذكائه وقدرته على جمع المعلومات واستخدامها استخدامًا نافعًا له وللآخرين، وكلما مر الزمن تفرّعت العلوم وزادت الرغبات البشريّة تنوعًا وتعقيدًا، وكذلك تطلعها نحو المستقبل بوتيرة أسرع من استيعاب العقل نفسه. الآن ونحن في عصر ذكاء الآلة المؤتمتة، أصبح العثور على المعلومة أسهل من انتباهنا إلى الحاجة إليها، والذكاء الاصطناعي صار معينًا للذكاء البشري، وبديلًا له في بعض الأمور، وبصرف النظر عن مدى خطورة ذلك أو فائدته، نحن أمام حقيقة لا مفر منها، هناك ثوَرة هائلة للمعلومات والقدرات الجديدة التي ربما لن نستطيع التنبؤ بحدودها، وبالتالي خيارات وبدائل ومشتتات لا نهائية تقريبًا، مما يضعنا أمام حقيقة صارخة: الميزة المطلوبة في ذلك العصر هي القدرة على التركيز المتعمّق.   

اكتساب الثقافة ليس مقتصرًا على قراءة الكتب، ولكن القراءة هي العنصر الرئيس الذي يستمد منه الإنسان المعرفة المطلوبة. هدف القراءة في الأصل هو معرفة ما يمكِّننا من تقبل وفهم الآخر وتطور أساليب الحياة. تلك المعرفة تأتي  من المنهج الصحيح للقراءة الذي يُبنى حسب اهتمام كل فرد انطلاقًا من ذاته وقيمه أولًا، والحرص على اكتساب المعلومات اللازمة عنها، مرورًا باهتمامات مجتمعه وقضايا عصره. يمشي المثقف على ساقيّ التفكير النقدي والمعرفة، ويبتغي المتعة مما يسعى إلى الحصول عليه من خلال قراءته، وليست من فعل القراءة ذاته فقط.

ما المقصود بالتفكير النقدي؟

يقول مالك بن نبي: “في عصر التلقين الحديث؛ الفكرة تكون صحيحة إذا ضمنت النجاح”.

يخضع تعريف النجاح نفسه لعملية التلقين التي يولّدها العصر، بغض النظر عن ملاءمته أو عدم ملاءمته لأي مبادئ شخصية أو عامة. فالنجاح له رحلة طويلة عبر التاريخ مليئة بالتحولات؛ بدايه بالقدرة على تأمين مخزون الطعام، مرورًا بامتلاك الأراضي، وصولًا للحصول على أكبر عدد ممكن من المتابعين على منصات التواصل.

الدافع الأول للإنسان هو لفت الانتباه إليه واكتساب التعاطف، الآن يحدث ذلك بمقدار أكبر مما كان في الماضي، لأسباب كثيرة أهمها: بداية تفكك الروابط الاجتماعية. ألا يحفّز كل ذلك الرغبة والقدرة على الخداع والتلاعب للحصول على دوافعنا الأولى؟

التفكير النقدي هو محاولة رؤية ما خلف القناع، وقراءة أسباب وصول ذلك الكتاب إلى يديك أو تلك المعلومة إلى هاتفك، ليس بمنطلق الإيمان بنظرية المؤامرة، بل لأن العالم مليء بالنوايا الحسنة التي تُصدِّر عكس ما ترجو إليه. التفكير النقدي ببساطة هو عدم الحكم على الأشياء قبل دراستها ومقارنتها بالواقع، عدم الأخذ بالرأي إلا بعد قراءة الرأي المضاد، ولا يتنافى ذلك بالطبع مع احترام الخبرة البشريّة في كل المجالات كما وصانا الله تعالى في صورة النحل: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ

اكتساب الثقافة يأتي أولًا من اكتساب الرؤى الصحيحة، من فهم الإنسان لنفسه ودوره في هذه الدنيا. ومعرفة الفرق بين الأحداث ذات المغزى في حياتنا اليومية والأحداث المضللة. القراءة فعل تكميلي يأتي بعد تفكير الإنسان. يقول شوبنهاور في مقال بعنوان “عن تفكير المرأ لنفسه”: “أسلم الطرق لافتقاد كل فكر أصيل نابع من الذهن، هو أن يتناول الإنسان كتابًا كلما وجد نفسه بلا شيء يفعله”.  قبل أن نقرأ ينبغي علينا إدراك الهدف من القراءة، والتعّرف على أهمّية قراءة الأدب، وما هو الدور الذي يلعبه في حياة الناس، وكذلك الفلسفة وعلم النفس وكافة أنواع العلوم.

ممارسة الثقافة: هي السعي الدائم لفهم الإنسان، وإجادة التواصل معه، والتعلم منه مهمى كانت تجربته الحياتية، لتحويل ذلك العلم إلى مادة تساعد على تطويره. ها هي الثقافة أمامنا: الكلمات والأشياء والأفعال، الحياة المحيطة بكل ما تملكه من حركة منظّمة وغير منظّمة، والمثقف ببساطة مثل الحرفيّ؛ يتعلم الحرفة على يد متقنيها، ثم يجرّب ويخطئ ويصيب ويخطئ حتّى يتمكن منها، فيكتشف بصمته الخاصة التي تساعده على التميّز في حرفته، وفي الوقت نفسه ازدهارها وتألقها، والحفاظ عليها من تقلبات الزمن ومخلّفات الحياة.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *